روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ مِنْكُمْ﴾ خطاب لرسول الله ﷺ ومن آمن معه ففي الآية تنويع الخطاب حيث خاطب سبحانه المقسمين على تقدير التولي ثم صرفه تعالى عنهم إلى المؤمين الثابتين وهو كالاعتراض بناء على ما سيأتي إن شاء الله تعالى من كون ﴿وأقيموا الصلاة﴾ [النور: ٥٦] عطفاً على قوله سبحانه :﴿أَطِيعُواْ الله﴾ [النور: ٥٤] وفائدته أنه لما أفاد الكلام السابق أنه ينبغي أن يأمرهم بالطاعة كفاحاف ولا يخاف مضرتهم أكد بأنه عليه الصلاة والسلام هو الغالب ومن معه فإني للخوف مجال، وإن شئت فاجعله استئنافاً جيء به لتأكيد ما يفيده الكلام من نفي المضرة على أبلغ وجه من غير اعتبار كونه اعتراضاً فإن في العطف المذكور ما ستسمعه إن شاء الله تعالى ؛ ومن بيانية، ووسط الجار والمجرور بين جملة ﴿ءامَنُواْ﴾ والجملة المعطوفة عليها الداخلة معها في حيز الصلة أعني
قوله تعالى :﴿وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ مع التأخير في قوله تعالى :﴿وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الفتح: ٢٩] قيل للدلالة على أن الأصل في ثبوت الاستخلاف الإيمان، ولهذا كان الأصح عدم الانعزال بالفسق الطارىء ودل عليه صحاح الأحاديث ومدخلية الصلاح في ابتداء البيعة وأما في المغفرة والأجر العظيم فكلاهما أثل فكان المناسب التأخير. وقد يقال : إن ذلك لتعجيل مسرة المخاطبين حيث أن الآية سيقت لذلك، وقيل : الخطاب للمقسمين والكلام تتميم لقوله تعالى :﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ [النور: ٥٤] ببيان ما لهم في العاجل من الاستخلاف وما يترتب عليه وفي الآجل ما لا يقادر قدره على ما أدمج في قوله سبحانه :﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦] والجار للتبعيض وأمر التوسيط على حاله، ولم يرتضه بعض الأجلة لأن ﴿ءامَنُواْ﴾ إن كان ماضياً على حقيقته لم يستقم إذ لم يكن فيهم من كان آمن حال الخطاب وإن جعل بمعنى المضارع على المألوف من أخبار الله تعالى فمع نبوه عن هذا المقام لم يكن دليلاً على صحة أمر الخلفاء ولم يطابق الواقع أيضاً لأن هؤلاء الأجلاء لم يكن من بعض من آمن من أولئك المخاطبين ولا كان في المقسمين من نال الخلافة انتهى، وفيه شيء. ولعله لا يضر بالغرض وارتضى أبو السعود تعلق الكلام بذلك وادعى أنه استئناف مقرر لما في قوله تعالى :﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ [النور: ٥٤] الخ من الوعد الكريم معرب عنه بطريق التصريح ومبين لتفاصيل ما أجمل فيه من فنون السعادات الدينية والدنيوية التي هي من آثار الاهتداء ومتضمن لما هو المراد بالطاعة التي نيط بها الاهتداء وأن المراد بالذين آمنوا كل من اتصف بالإيمان بعد الكفر على الإطلاق من أي طائفة كان وفي أي وقت كان لا من آمن من طائفة المنافقين فقط ولا من آمن بعد نزول الآية الكريمة فحسب ضرورة عموم الوعد الكريم وأن الخطاب ليس للرسول عليه الصلاة والسلام ومن معه من المؤمنين المخلصين أو من يعمهم وغيرهم من الأمة ولا للمنافقين خاصة بل هو لعامة الكفرة وأن من للتبعيض، وقال في نكتة التوسيط : إنه لإظهار إصالة الإيمان وعراقته في استتباع الآثار والأحكام والإيذان بكونه أول ما يطلب منهم وأهم ما يجب عليهم، وأما التأخير في آية سورة الفتح فلأن من هناك بيانية والضمير للذين معه عليه الصلاة والسلام من خلص المؤمنين ولا ريب في أنهم جامعون بين الإيمان والأعمال الصالحة مثابرون عليها فلا بد من ورود بيانهم بعد ذكر نعوتهم الجليلة بكمالها انتهى.
وأنت تعلم أن كون الخطاب لعامة الكفرة خلاف الظاهر، وحمل الفعل الماضي على ما يعم الماضي والمستقبل كذلك وفيما ذكره أيضاً بعد عن سبب النزول، فقد أخرج ابن المنذر. والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه. وابن مردويه. والبيهقي في الدلائل. والضياء في المختارة عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال : لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح ولا يصبحون إلا فيه فقالوا ترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله تعالى فنزلت :﴿وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ مِنْكُمْ﴾ الآية ولا يتأتى معه الاستدلال بالآية على صحة أمر الخلفاء أصلاً، ولعله لا يقول به ويستغنى عنه بما هو أوضح دلالة، وعن ابن عباس. ومجاهد عامة في أمة محمد ﷺ وأطلقاً الأمة وهي تطلق على أمة الإجابة وعلى أمة الدعوة لكن الأغلب في الاستعمال الاطلاق الأول فلا تغفل، وإذا كانت من بيانية فالمعنى وعد الله الذين آمنوا الذين هم أنتم ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الأرض﴾ أي ليجعلهم خلفاء متصرفين فيها تصرف الملوك في مماليكهم أو خلفاء من الذين كانوا يخافونهم من الكفرة بأن ينصرهم عليهم ويورثهم أرضهم، والمراد بالأرض على ما قيل جزيرة العرب، وقيل مأواه عليه الصلاة والسلام من مشارق الأرض ومغاربها ففي الصحيح «زويت لي الأرض فاريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها » واللام واقعة في جواب القسم المحذوف ومفعول وعد الثاني محذوف دل عليه الجواب أي وعد الله الذين آمنوا استخلافهم وأقسم لستخلفنهم، ويجوز أن ينزل وعده تعالى لتحقق انجازه لا محالة منزلة القسم وإليه ذهب الزجاج ويكون ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ منزل منزلة المفعول فلا حذف.
وما في قوله تعالى :﴿كَمَا استخلف﴾ مصدرية والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لمصدر محذوف أي ليستخلفنهم استخلافاف كائناً كاستخلافه ﴿الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ وهم بنوا اسرائيل استخلفهم الله عز وجل في الشام بعد إهلاك الجبابرة وكذا في مصر على ما قيل من أنها صارت تحت تصرفهم بعد هلاك فرعون وإن لم يعودوا إليها أو هم ومن قبلهم من الأمم المؤمنة الذين أسكنهم الله تعالى في الأرض بعد إهلاك أعدائهم من الكفرة الظالمين.
وقرئ ﴿كَمَا استخلف﴾ بالبناء للمفعول فيكون التقدير ليستخلفنهم في الأرض فيستخلفون فيها استخلافاف أي مستخلفية كائنة كمستخلفية الذين من قبلهم ﴿وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ﴾ عطف على ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ والكلام فيه كالكلام فيه، وتأخيره عنه مع كونه أجل الرغائب الموعودة وأعظمها لما أنه كالأثر للاستخلاف المذكور.
وقيل : لما أن النفوس إلى الحظوظ العاجلة أميل فتصدير المواعيد بها في الاستمالة أدخل، والتمكين في الأصل جعل الشيء في مكان ثم استعمل في لازمه وهو التثبيت والمعنى ليجعلن دينهم ثابتاً مقرراً بأن يعلى سبحانه شأنه ويقوى بتأييده تعالى أركانه ويعظم أهله في نفوس أعدائهم الذين يستغرقون النهار والليل في التدبير لإطفاء أنواره ويستنهضون الرجال والخيل للتوصل إلى إعفاء آثاره فيكونون بحيث ييأسون من التجمع لتفريقهم عنه ليذهب من البين ولا تكاد تحدثهم أنفسهم بالحيلولة بينهم وبينه ليعود أثراً بعد عين.
وقيل : المعنى ليجعله مقرراً ثابتاف بحيث يستمرون على العمل بأحكامه ويرجعون إليه في كل ما يأتون وما يدرون، وأصل التمكين جعل الشيء مكاناف لآخر والتعبير عن ذلك به للدلالة على كمال ثبات الدين ورصانة أحكامه وسلامته عن التغيير والتبديل لابتنائه على تشبيهه بالأرض في الثبات والقرار مع ما فيه من مراعاة المناسبة بينه وبين الاستخلاف في الأرض انتهى، وفيه بحث، وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح للمسارعة إلى بيان كون الموعود من منافعهم مع التشويق إلى المؤخر ولأن في توسيطه بينه وبين وصفه أعني قوله تعالى :﴿الذي ارتضى لَهُمْ﴾ وتأخيره عن الوصف من الاخلال بجزالة النظم الكريم ما لا يخفى، وفي إضافة الدين وهو دين الإسلام إليهم ثم وصفه بارتضائه لهم من مزيد الترغيب فيه والتثبيت عليه ما فيه ﴿وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ﴾ بالتشديد، وقرأ ابن كثير. وأبو بكر. والحسن. وابن محيصن بالتخفيف من الإبدال، وأخرج ذلك عبد بن حميد عن عاصم وهو عطم على ( لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ أَوْليمكنن ) ﴿مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ بمقتضى البشرية في الدنيا من أعدائهم في الدين ﴿مِنَ﴾ لا يقادر قدره، وقيل : الخوف في الدنيا من عذاب الآخرة والأمن في الآخرة ورجح بأن الكلام عليه أبعد من احتمال التأكيد بوجه من الوجوه بخلافه على الأول.
وأنت تعلم أن الأول أوفق بالمقام والأخبار الواردة في سبب النزول تقتضيه وأمر احتمال التأكيد سهل.
﴿يَعْبُدُونَنِى﴾ جوز أن تكون الجملة في موضع نصب على الحال إما من ﴿الذين﴾ الأول لتقييد الوعد بالثبات على التوحيد لأن ما في حيز الصلة من الإيمان وعمل الصالحات بصيغة الماضي لما دل على أصل الاتصاف به جيء بما ذكر حالا بصيغة المضارع الدال على الاستمرار التجددي وإما من الضمير العائد عليه في ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ أو في ﴿ليبدلنهم﴾، وجوز أن تكون مستأنفة إما لمجرد الثناء على أولئك المؤمنين على معنى هم يعبدونني وإما لبيان علة الاستخلاف وما انتظم معه في سلك الوعد، وقوله تعالى :﴿يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً﴾ حال من الواو في ﴿يَعْبُدُونَنِى﴾ أو من ﴿الذين﴾ أو بدل من الحال أو استئناف.
ونصب ﴿شَيْئاً﴾ على أنه مفعول به أي شيئاً مما يشرك به أو مفعول مطلق أي شيئاً من الإشراك. ومعنى العبادة وعدم الإشراك ظاهر.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في قوله سبحانه :﴿يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً﴾ لا يخافون أحداً غيري، وأخرج هو وجماعة عن مجاهد نحوه. ولعلهما أراد بذلك تفسير ﴿لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً﴾ وكأنهما عدا خوف غير الله تعالى نوعاً من الإشراك، واختير على هذا حالية الجملة من الواو كأنه قيل : يعبدونني غير خائفين أحداً غيري، وجوز أن يكونا قد أرادا بيان المراد بمجموع ﴿يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ﴾ الخ وكأنهما ادعيا أن عدم خوف أحد غيره سبحانه من لوازم العبادة والتوحيد وأن جملة ﴿يَعْبُدُونَنِى﴾ الخ استئناف لبيان ما يصلون إليه من الأمن كأنه قيل : يأمنون إلى حيث لا يخافون أحداً غير الله تعالى ولا يخفي ما في التعبير بضمير المتكلم وحده في ﴿يَعْبُدُونَنِى. وَلاَ يشركون بَى﴾ دون ضمير الغائب ودون ضمير العظمة من اللطافة.
﴿وَمَن كَفَرَ﴾ أي ومن ارتد من المؤمنين ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي بعد حصول الموعود به ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ المرتدون البعداء عن الحق ﴿هُمُ الفاسقون﴾ أي الكاملون في الفسق والخروج عن حدود الكفر والطغيان إذ لا عذر لهم حينئذ ولا كجناح بعوضة، وقيل : كفر من الكفران لا من الكفر مقابل الإيمان وروي ذلك عن أبي العالية وكما لهم في الفسق لعظم النعمة التي كفروها، وقيل : ذلك إشارة إلى الوعد السابق نفسه، وفي إرشاد العقل السليم أن المعنى ومن اتصف بالكفر بأن ثبت واستمر عليه ولم يتأثر بما مر من الترغيب والترهيب بعد ذلك الوعد الكريم بما فصل من المطالب العالية المستوجبة لغاية الاهتمام بتحصيلها فأولئك هم الكاملون في الفسق، وكون المراد بكفر ما ذكر أنسب بالمقام من كون المراد به ارتد أو كفر النعمة انتهى. والأولى عندي ما تقدم فإنه الظاهر، وفي الكلام عليه تعظيم لقدر الموعود به
قوله تعالى :﴿وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ مع التأخير في قوله تعالى :﴿وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الفتح: ٢٩] قيل للدلالة على أن الأصل في ثبوت الاستخلاف الإيمان، ولهذا كان الأصح عدم الانعزال بالفسق الطارىء ودل عليه صحاح الأحاديث ومدخلية الصلاح في ابتداء البيعة وأما في المغفرة والأجر العظيم فكلاهما أثل فكان المناسب التأخير. وقد يقال : إن ذلك لتعجيل مسرة المخاطبين حيث أن الآية سيقت لذلك، وقيل : الخطاب للمقسمين والكلام تتميم لقوله تعالى :﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ [النور: ٥٤] ببيان ما لهم في العاجل من الاستخلاف وما يترتب عليه وفي الآجل ما لا يقادر قدره على ما أدمج في قوله سبحانه :﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦] والجار للتبعيض وأمر التوسيط على حاله، ولم يرتضه بعض الأجلة لأن ﴿ءامَنُواْ﴾ إن كان ماضياً على حقيقته لم يستقم إذ لم يكن فيهم من كان آمن حال الخطاب وإن جعل بمعنى المضارع على المألوف من أخبار الله تعالى فمع نبوه عن هذا المقام لم يكن دليلاً على صحة أمر الخلفاء ولم يطابق الواقع أيضاً لأن هؤلاء الأجلاء لم يكن من بعض من آمن من أولئك المخاطبين ولا كان في المقسمين من نال الخلافة انتهى، وفيه شيء. ولعله لا يضر بالغرض وارتضى أبو السعود تعلق الكلام بذلك وادعى أنه استئناف مقرر لما في قوله تعالى :﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ [النور: ٥٤] الخ من الوعد الكريم معرب عنه بطريق التصريح ومبين لتفاصيل ما أجمل فيه من فنون السعادات الدينية والدنيوية التي هي من آثار الاهتداء ومتضمن لما هو المراد بالطاعة التي نيط بها الاهتداء وأن المراد بالذين آمنوا كل من اتصف بالإيمان بعد الكفر على الإطلاق من أي طائفة كان وفي أي وقت كان لا من آمن من طائفة المنافقين فقط ولا من آمن بعد نزول الآية الكريمة فحسب ضرورة عموم الوعد الكريم وأن الخطاب ليس للرسول عليه الصلاة والسلام ومن معه من المؤمنين المخلصين أو من يعمهم وغيرهم من الأمة ولا للمنافقين خاصة بل هو لعامة الكفرة وأن من للتبعيض، وقال في نكتة التوسيط : إنه لإظهار إصالة الإيمان وعراقته في استتباع الآثار والأحكام والإيذان بكونه أول ما يطلب منهم وأهم ما يجب عليهم، وأما التأخير في آية سورة الفتح فلأن من هناك بيانية والضمير للذين معه عليه الصلاة والسلام من خلص المؤمنين ولا ريب في أنهم جامعون بين الإيمان والأعمال الصالحة مثابرون عليها فلا بد من ورود بيانهم بعد ذكر نعوتهم الجليلة بكمالها انتهى.
وأنت تعلم أن كون الخطاب لعامة الكفرة خلاف الظاهر، وحمل الفعل الماضي على ما يعم الماضي والمستقبل كذلك وفيما ذكره أيضاً بعد عن سبب النزول، فقد أخرج ابن المنذر. والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه. وابن مردويه. والبيهقي في الدلائل. والضياء في المختارة عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال : لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح ولا يصبحون إلا فيه فقالوا ترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله تعالى فنزلت :﴿وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ مِنْكُمْ﴾ الآية ولا يتأتى معه الاستدلال بالآية على صحة أمر الخلفاء أصلاً، ولعله لا يقول به ويستغنى عنه بما هو أوضح دلالة، وعن ابن عباس. ومجاهد عامة في أمة محمد ﷺ وأطلقاً الأمة وهي تطلق على أمة الإجابة وعلى أمة الدعوة لكن الأغلب في الاستعمال الاطلاق الأول فلا تغفل، وإذا كانت من بيانية فالمعنى وعد الله الذين آمنوا الذين هم أنتم ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الأرض﴾ أي ليجعلهم خلفاء متصرفين فيها تصرف الملوك في مماليكهم أو خلفاء من الذين كانوا يخافونهم من الكفرة بأن ينصرهم عليهم ويورثهم أرضهم، والمراد بالأرض على ما قيل جزيرة العرب، وقيل مأواه عليه الصلاة والسلام من مشارق الأرض ومغاربها ففي الصحيح «زويت لي الأرض فاريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها » واللام واقعة في جواب القسم المحذوف ومفعول وعد الثاني محذوف دل عليه الجواب أي وعد الله الذين آمنوا استخلافهم وأقسم لستخلفنهم، ويجوز أن ينزل وعده تعالى لتحقق انجازه لا محالة منزلة القسم وإليه ذهب الزجاج ويكون ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ منزل منزلة المفعول فلا حذف.
وما في قوله تعالى :﴿كَمَا استخلف﴾ مصدرية والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لمصدر محذوف أي ليستخلفنهم استخلافاف كائناً كاستخلافه ﴿الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ وهم بنوا اسرائيل استخلفهم الله عز وجل في الشام بعد إهلاك الجبابرة وكذا في مصر على ما قيل من أنها صارت تحت تصرفهم بعد هلاك فرعون وإن لم يعودوا إليها أو هم ومن قبلهم من الأمم المؤمنة الذين أسكنهم الله تعالى في الأرض بعد إهلاك أعدائهم من الكفرة الظالمين.
وقرئ ﴿كَمَا استخلف﴾ بالبناء للمفعول فيكون التقدير ليستخلفنهم في الأرض فيستخلفون فيها استخلافاف أي مستخلفية كائنة كمستخلفية الذين من قبلهم ﴿وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ﴾ عطف على ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ والكلام فيه كالكلام فيه، وتأخيره عنه مع كونه أجل الرغائب الموعودة وأعظمها لما أنه كالأثر للاستخلاف المذكور.
وقيل : لما أن النفوس إلى الحظوظ العاجلة أميل فتصدير المواعيد بها في الاستمالة أدخل، والتمكين في الأصل جعل الشيء في مكان ثم استعمل في لازمه وهو التثبيت والمعنى ليجعلن دينهم ثابتاً مقرراً بأن يعلى سبحانه شأنه ويقوى بتأييده تعالى أركانه ويعظم أهله في نفوس أعدائهم الذين يستغرقون النهار والليل في التدبير لإطفاء أنواره ويستنهضون الرجال والخيل للتوصل إلى إعفاء آثاره فيكونون بحيث ييأسون من التجمع لتفريقهم عنه ليذهب من البين ولا تكاد تحدثهم أنفسهم بالحيلولة بينهم وبينه ليعود أثراً بعد عين.
وقيل : المعنى ليجعله مقرراً ثابتاف بحيث يستمرون على العمل بأحكامه ويرجعون إليه في كل ما يأتون وما يدرون، وأصل التمكين جعل الشيء مكاناف لآخر والتعبير عن ذلك به للدلالة على كمال ثبات الدين ورصانة أحكامه وسلامته عن التغيير والتبديل لابتنائه على تشبيهه بالأرض في الثبات والقرار مع ما فيه من مراعاة المناسبة بينه وبين الاستخلاف في الأرض انتهى، وفيه بحث، وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح للمسارعة إلى بيان كون الموعود من منافعهم مع التشويق إلى المؤخر ولأن في توسيطه بينه وبين وصفه أعني قوله تعالى :﴿الذي ارتضى لَهُمْ﴾ وتأخيره عن الوصف من الاخلال بجزالة النظم الكريم ما لا يخفى، وفي إضافة الدين وهو دين الإسلام إليهم ثم وصفه بارتضائه لهم من مزيد الترغيب فيه والتثبيت عليه ما فيه ﴿وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ﴾ بالتشديد، وقرأ ابن كثير. وأبو بكر. والحسن. وابن محيصن بالتخفيف من الإبدال، وأخرج ذلك عبد بن حميد عن عاصم وهو عطم على ( لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ أَوْليمكنن ) ﴿مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ بمقتضى البشرية في الدنيا من أعدائهم في الدين ﴿مِنَ﴾ لا يقادر قدره، وقيل : الخوف في الدنيا من عذاب الآخرة والأمن في الآخرة ورجح بأن الكلام عليه أبعد من احتمال التأكيد بوجه من الوجوه بخلافه على الأول.
وأنت تعلم أن الأول أوفق بالمقام والأخبار الواردة في سبب النزول تقتضيه وأمر احتمال التأكيد سهل.
﴿يَعْبُدُونَنِى﴾ جوز أن تكون الجملة في موضع نصب على الحال إما من ﴿الذين﴾ الأول لتقييد الوعد بالثبات على التوحيد لأن ما في حيز الصلة من الإيمان وعمل الصالحات بصيغة الماضي لما دل على أصل الاتصاف به جيء بما ذكر حالا بصيغة المضارع الدال على الاستمرار التجددي وإما من الضمير العائد عليه في ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ أو في ﴿ليبدلنهم﴾، وجوز أن تكون مستأنفة إما لمجرد الثناء على أولئك المؤمنين على معنى هم يعبدونني وإما لبيان علة الاستخلاف وما انتظم معه في سلك الوعد، وقوله تعالى :﴿يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً﴾ حال من الواو في ﴿يَعْبُدُونَنِى﴾ أو من ﴿الذين﴾ أو بدل من الحال أو استئناف.
ونصب ﴿شَيْئاً﴾ على أنه مفعول به أي شيئاً مما يشرك به أو مفعول مطلق أي شيئاً من الإشراك. ومعنى العبادة وعدم الإشراك ظاهر.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في قوله سبحانه :﴿يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً﴾ لا يخافون أحداً غيري، وأخرج هو وجماعة عن مجاهد نحوه. ولعلهما أراد بذلك تفسير ﴿لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً﴾ وكأنهما عدا خوف غير الله تعالى نوعاً من الإشراك، واختير على هذا حالية الجملة من الواو كأنه قيل : يعبدونني غير خائفين أحداً غيري، وجوز أن يكونا قد أرادا بيان المراد بمجموع ﴿يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ﴾ الخ وكأنهما ادعيا أن عدم خوف أحد غيره سبحانه من لوازم العبادة والتوحيد وأن جملة ﴿يَعْبُدُونَنِى﴾ الخ استئناف لبيان ما يصلون إليه من الأمن كأنه قيل : يأمنون إلى حيث لا يخافون أحداً غير الله تعالى ولا يخفي ما في التعبير بضمير المتكلم وحده في ﴿يَعْبُدُونَنِى. وَلاَ يشركون بَى﴾ دون ضمير الغائب ودون ضمير العظمة من اللطافة.
﴿وَمَن كَفَرَ﴾ أي ومن ارتد من المؤمنين ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي بعد حصول الموعود به ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ المرتدون البعداء عن الحق ﴿هُمُ الفاسقون﴾ أي الكاملون في الفسق والخروج عن حدود الكفر والطغيان إذ لا عذر لهم حينئذ ولا كجناح بعوضة، وقيل : كفر من الكفران لا من الكفر مقابل الإيمان وروي ذلك عن أبي العالية وكما لهم في الفسق لعظم النعمة التي كفروها، وقيل : ذلك إشارة إلى الوعد السابق نفسه، وفي إرشاد العقل السليم أن المعنى ومن اتصف بالكفر بأن ثبت واستمر عليه ولم يتأثر بما مر من الترغيب والترهيب بعد ذلك الوعد الكريم بما فصل من المطالب العالية المستوجبة لغاية الاهتمام بتحصيلها فأولئك هم الكاملون في الفسق، وكون المراد بكفر ما ذكر أنسب بالمقام من كون المراد به ارتد أو كفر النعمة انتهى. والأولى عندي ما تقدم فإنه الظاهر، وفي الكلام عليه تعظيم لقدر الموعود به