محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٥٥ من سورة النّور في ١٠٩ كتب من كتب التفسير، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٤١ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٥٥ من سورة النّور

١٠٩ كتب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنّ لَهُمْ دِينَهُمُ الّذِي ارْتَضَىَ لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلََئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره : وَعَدَ اللّهُ الّذِين آمَنُوا بالله ورسوله مِنْكُمْ أيها الناس، وَعمِلُوا الصّالِحاتِ يقول : وأطاعوا الله ورسوله فيما أمراه ونهياه لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِي الأرْضِ يقول : لَيُورثنهم الله أرض المشركين من العرب والعجم، فيجعلهم ملوكها وساستها. كمَا اسْتَخْلَفَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يقول : كما فعل من قبلهم ذلك ببني إسرائيل، إذ أهلك الجبابرة بالشأم وجعلهم ملوكها وسكانها. وَلَيُمَكّنَنّ لَهُمْ دِينَهُمُ الّذِي ارْتَضَى لَهُمْ يقول : وليوطئنّ لهم دينهم، يعني ملتهم التي ارتضاها لهم فأمرهم بها. وقيل : وعد الله الذين آمنوا، ثم تلقى ذلك بجواب اليمين بقوله : لَيَسْتَخْلفنّهُمْ لأن الوعد قول يصلح فيه «أن »، وجواب اليمين كقوله : وعدتك أن أكرمك، ووعدتك لأكرمنك.
واختلف القرّاء في قراءة قوله : كمَا اسْتَخْلَفَ فقرأته عامة القرّاء : كمَا اسْتَخْلَفَ بفتح التاء واللام، بمعنى : كما استخلف الله الذين من قبلهم من الأمم. وقرأ ذلك عاصم :«كمَا اسْتُخْلِفَ » بضم التاء وكسر اللام، على مذهب ما لم يْسَمّ فاعله.
واختلفوا أيضا في قراءة قوله : وَلَيُبَدّلَنّهُمْ فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار سوى عاصم : وَلَيُبْدّلنّهُمْ بتشديد الدال، بمعنى : وليغّيرَنّ حالهم عما هي عليه من الخوف إلى الأمن، والعرب تقول : قد بُدّل فلان : إذا غيرت حاله ولم يأت مكان غيره، وكذلك كلّ مغير عن حاله فهو عندهم مبدّل بالتشديد. وربما قيل بالتخفيف، وليس بالفصيح. فأما إذا جعل مكان الشيء المبدل غيره، فذلك بالتخفيف : أَبْدلته فهو مُبْدَل. وذلك كقولهم : أُبدل هذا الثوب : أي جُعِل مكانه آخر غيره، وقد يقال بالتشديد غير أن الفصيح من الكلام ما وصفت. وكان عاصم يقرؤه :«وَلَيُبْدِلَنّهُمْ » بتخفيف الدال.
والصواب من القراءة في ذلك : التشديد، على المعنى الذي وصفت قبلُ، لإجماع الحجة من قرّاء الأمصار عليه، وأن ذاك تغيير حال الخوف إلى الأمن. وأرى عاصما ذهب إلى أن الأمن لما كان خلاف الخوف وجّه المعنى إلى أنه ذهب بحال الخوف وجاء بحال الأمن، فخفّف ذلك.
ومن الدليل على ما قلنا من أن التخفيف إنما هو ما كان في إبدال شيء مكان آخر، قول أبي النجم :
*** عَزْلُ الأمِيرِ للأَمَيرِ المُبْدَلِ ***
وقوله : يَعْبُدُونَني يقول : يخضعون لي بالطاعة ويتذللون لأمري ونهيي. لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئا يقول : لا يشركون في عبادتهم إياي الأوثان والأصنام ولا شيئا غيرها، بل يخلصون لي العبادة فيفردونها إليّ دون كلّ ما عُبد من شيء غيري. وذُكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ من أجل شكاية بعض أصحابه إليه في بعض الأوقات التي كانوا فيها من العدوّ في خوف شديد مما هُمْ فيه من الرّعب والخوف وما يَلْقَون بسبب ذلك من الأذى والمكروه. ذكر الرواية بذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قوله : وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحات. . . الآية، قال : مكث النبيّ ﷺ عَشْر سنين خائفا يدعو إلى الله سرّا وعلانية، قال : ثم أُمر بالهجرة إلى المدينة. قال : فمكث بها هو وأصحابه خائفون، يُصبحون في السلاح ويُمسون فيه، فقال رجل : ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح فقال النبي ﷺ :«لا تَغْبُرُونَ إلاّ يَسِيرا حتى يَجْلِسَ الرّجُلُ مِنْكُمْ فِي المَلإ العَظيمِ مُحْتَبِيا فِيهِ لَيْسَ فِيهِ حَدِيدَةٌ ». فأنزل الله هذه الآية : وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ. . . إلى قوله : فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلكَ » قال : يقول : من كفر بهذه النعمة فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسقُونَ وليس يعني الكفر بالله. قال : فأظهره الله على جزيرة العرب، فآمنوا، ثم تجَبّروا، فغَيّر الله ما بهم. وكفروا بهذه النعمة، فأدخل الله عليهم الخوف الذي كان رفعه عنهم قال القاسم : قال أبو عليّ : بقتلهم عثمان بن عفان رضي الله عنه.
واختلف أهل التأويل في معنى الكفر الذي ذكره الله في قوله : فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلكَ فقال أبو العالية ما ذكرنا عنه من أنه كفر بالنعمة لا كفر بالله. ورُوى عن حُذيفة في ذلك ما :
حدثنا به ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي الشعثاء، قال : كنت جالسا مع حُذيفة وعبد الله بن مسعود، فقال حُذيفة : ذهب النفاق، وإنما كان النفاق على عهد رسول الله ﷺ، وإنما هو الكفر بعد الإيمان قال : فضحك عبد الله، فقال : لم تقول ذلك ؟ قال : علمت ذلك، قال : وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِي الأرْضِ. . . حتى بلغ آخرها.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، قال : حدثنا شعبة، عن أبي الشّعْثاء، قال : قعدت إلى ابن مسعود وحُذيفة، فقال حذيفة : ذهب النّفاق فلا نفاق، وإنما هو الكفر بعد الإيمان فقال عبد الله : تعلم ما تقول ؟ قال : فتلا هذه الآية : إنّمَا كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ. . . حتى بلغ : فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسقُونَ قال : فضحك عبد الله. قال : فلقيت أبا الشعثاء بعد ذلك بأيام، فقلت : من أيّ شيء ضحك عبد الله ؟ قال : لا فلقيت أبا الشعثاء بعد ذلك بأيام، فقلت : من أيّ شيء ضحك عبد الله ؟ قال : لا أدري، إن الرجل ربما ضحك من الشيء الذي يُعْجبه وربما ضحك من الشيء الذي لا يعجبه، فمن أيّ شيء ضحك ؟ لا أدري.
والذي قاله أبو العالية من التأويل أشبه بتأويل الآية، وذلك أن الله وعد الإنعام على هذه الأمة بما أخبر في هذه الآية أنه منعم به عليهم ثم قال عقيب ذلك : فمن كفر هذه النعمة بعد ذلك فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قول الله : يَعْبُدونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئا قال : تلك أمة محمد ﷺ.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد : أمنا يَعْبُدونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئا قال : لا يخافون غيري.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥) }
يقول تعالى ذكره: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ منكم) أيها الناس، (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) يقول: وأطاعوا الله ورسوله فيما أمراه ونهياه (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ) يقول: ليورثنهم الله أرض المشركين من العرب والعجم، فيجعلهم ملوكها وساستها (كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) يقول: كما فعل منْ قبلهم ذلك ببني إسرائيل، إذ أهلك الجبابرة بالشأم، وجعلهم ملوكها وسكانها (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) يقول: وليوطئنّ لهم دينهم، يعني: ملتهم التي ارتضاها لهم، فأمرهم بها. وقيل: وعد الله الذين آمنوا، ثم تلقى ذلك بجواب اليمين بقوله: (ليستخلفنهم) لأن الوعد قول يصلح فيه "أن"، وجواب اليمين كقوله: وعدتك أن أكرمك، ووعدتك لأكرمنك.
واختلف القرّاء في قراءة قوله: (كَمَا اسْتَخْلَفَ) فقرأته عامة القرّاء (كَمَا اسْتَخْلَفَ) بفتح التاء واللام، بمعنى: كما استخلف الله الذين من قبلهم من الأمم. وقرأ ذلك عاصم "كَما اسْتُخْلِفَ" بضم التاء وكسر اللام، على مذهب ما لم يسمّ فاعله.
واختلفوا أيضا في قراءة قوله: (وليبدلنهم) فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار سوى عاصم (وليبدلنهم) بتشديد الدال، بمعنى: وليغيرنّ حالهم عما هي عليه من الخوف إلى الأمن، والعرب تقول: قد بدّل فلان إذا غيرت حاله، ولم يأت مكان غيره، وكذلك كلّ مغير عن حاله، فهو عندهم مبدل بالتشديد. وربما قيل بالتخفيف، وليس بالفصيح، فأما إذا جعل مكان الشيء المبدل غيره، فذلك بالتخفيف أبدلته فهو مبدل. وذلك كقولهم: أبدل هذا الثوب: أي جُعل مكانه آخر غيره، وقد يقال بالتشديد غير أن الفصيح من الكلام ما وصفت. وكان عاصم يقرؤه "وَلَيُبْدِلَنَّهُمْ" بتخفيف الدال.
والصواب من القراءة في ذلك التشديد، على المعنى الذي وصفت قبلُ، لإجماع الحجة من قرّاء الأمصار عليه، وأن ذاك تغيير حال الخوف إلى الأمن، وأرى عاصما ذهب إلى أن الأمن لما كان خلاف الخوف وجَّه المعنى إلى أنه ذهب بحال الخوف، وجاء بحال الأمن، فخفف ذلك.
ومن الدليل على ما قلنا، من أن التخفيف إنما هو ما كان في إبدال شيء مكان آخر، قول أبي النجم:
عَزْلُ الأمير للأمِيرِ المبْدَل (١)
(١) البيت من مشطور الرجز، لأبي النجم العجلي الراجز (اللسان: بدل) قال: قال أبو العباس (يعني ثعلبًا) وحقيقته: أن التبديل تغيير الصورة إلى صورة أخرى، والجوهرة بعينها؛ والإبدال: تنحية الجوهرة، واستئناف جوهرة أخرى. منه قول أبي النجم: * عزل الأمير للأمير المبدل *
ألا ترى أنه نحى جسمًا، وجعل مكانه جسمًا غيره؟.
وقوله: (يعبدونني) يقول: يخضعون لي بالطاعة ويتذللون لأمري ونهيي (لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) يقول: لا يشركون في عبادتهم إياي الأوثان والأصنام ولا شيئا غيرها، بل يخلصون لي العبادة فيفردونها إليَّ دون كل ما عبد من شيء غيري، وذُكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ من أجل شكاية بعض أصحابه إليه في بعض الأوقات التي كانوا فيها من العدوّ في خوف شديد مما هم فيه من الرعب والخوف، وما يلقون بسبب ذلك من الأذى والمكروه.
* ذكر الرواية بذلك:
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قوله: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)... الآية، قال: فمكث النبيّ ﷺ عشر سنين خائفا يدعو إلى الله سرّا وعلانية، قال: ثم أُمر بالهجرة إلى المدينة. قال: فمكث بها هو وأصحابه خائفون، يصبحون في السلاح، ويمسون فيه، فقال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ونضع عنا السلاح، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "لا تَغْبُرُونَ إلا يَسيرًا حتى يجْلِسَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ فِي الملإ العَظيمِ مُحْتَبِيًا فِيه، لَيْسَ فِيهِ حَدِيدَةٌ". (١) فأنزل الله هذه الآية (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ)... إلى قوله: (فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ) "قال: يقول: من كفر بهذه النعمة (فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) وليس يعني الكفر بالله. قال: فأظهره الله على جزيرة العرب فآمنوا، ثم تجبروا، فغيرَ الله ما بهم، وكفروا بهذه النعمة، فأدخل الله عليهم الخوف الذي كان رفعه عنهم، قال القاسم: قال أبو علي: بقتلهم عثمان بن عفان رضي الله عنه.
واختلف أهل التأويل في معنى الكفر الذي ذكره الله في قوله: (فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ) فقال أبو العالية (٢) ما ذكرنا عنه من أنه كفر بالنعمة لا كفر بالله.
ورُوي عن حُذيفة في ذلك ما حدثنا به ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان،
(١) في فتح القدير للشوكاني (٤: ٤٧) ليست فيهم جديدة. ولعلها رواية أخرى
(٢) لعله أبو العالية، راوي الحديث.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
هذا وعد من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم(١). بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي : أئمةَ الناس والولاةَ عليهم، وبهم تصلح(٢) البلاد، وتخضع(٣) لهم العباد، ولَيُبدلَنّ بعد خوفهم من الناس أمنا وحكما فيهم، وقد فعل تبارك وتعالى ذلك. وله الحمد والمنة، فإنه لم يمت رسول الله ﷺ حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين، وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها. وأخذ الجزية من مَجُوس هَجَر، ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر والإسكندرية - وهو المقوقس - وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة، الذي تَملَّك بعد أصْحَمة، رحمه الله وأكرمه.
ثم لما مات رسول الله ﷺ واختار الله له ما عنده من الكرامة، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق، فَلَمّ شَعَث ما وَهَى عند(٤) موته، عليه الصلاة والسلام(٥) وأطَّدَ جزيرة العرب ومهدها، وبعث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد، رضي الله عنه، ففتحوا طرفا منها، وقتلوا خلقا من أهلها. وجيشا آخر صحبة أبي عبيدة، رضي الله عنه، ومن معه من الأمراء إلى أرض الشام، وثالثًا صحبة عمرو بن العاص، رضي الله عنه، إلى بلاد مصر، ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بُصرى ودمشق ومَخَاليفهما من بلاد حَوران وما والاها، وتوفاه الله عز وجل، واختار له ما عنده من الكرامة. ومَنّ على الإسلام وأهله بأن ألهم الصديق أن استخلف عمر الفاروق، فقام في الأمر بعده قياما تاما، لم يَدُر الفلك بعد الأنبياء [ عليهم السلام ](٦) على مثله، في قوة سيرته وكمال عدله. وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس، وكَسَّر كسرى وأهانه غاية الهوان، وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقَصَّر قيصر، وانتزع يده عن بلاد الشام فانحاز إلى قسطنطينة، وأنفق أموالهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله، عليه من ربه أتم سلام وأزكى صلاة.
ثم لما كانت الدولة العثمانية، امتدت المماليك(٧) الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك : الأندلس، وقبرص، وبلاد القيروان، وبلاد سَبْتَةَ مما يلي البحر المحيط، ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى، وباد ملكه بالكلية. وفتحت مدائن العراق، وخراسان، والأهواز، وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدا، وخذل الله ملكهم الأعظم خاقان، وجُبي الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله عنه. وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ القرآن ؛ ولهذا ثبت في الصحيح(٨) عن رسول الله ﷺ أنه قال :" إن الله زَوَى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زُوي لي منها " (٩) فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، فنسأل(١٠) الله الإيمان به، وبرسوله، والقيام بشكره على الوجه الذي يرضيه عنا.
قال الإمام مسلم بن الحجاج : حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سَمُرَة قال : سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول :" لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا ". ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت عني(١١) فسألت أبي : ماذا قال رسول الله ﷺ ؟ فقال :" كلهم من قريش ".
ورواه البخاري من حديث شعبة، عن عبد الملك بن عمير، به(١٢) وفي رواية لمسلم أنه قال ذلك عشية رجم ماعز بن مالك، وذكر معه أحاديث أخر(١٣)
وهذا الحديث فيه دلالة على أنه لا بد من وجود اثني عشر خليفة عادلا وليسوا هم بأئمة الشيعة الاثني عشر فإن كثيرًا من أولئك لم يكن إليهم من الأمر شيء، فأما هؤلاء فإنهم يكونون من قريش، يَلُون فيعدلون. وقد وقعت البشارة بهم في الكتب المتقدمة، ثم لا يشترط أن يكون متتابعين، بل يكون وجودهم في الأمة متتابعا ومتفرقا، وقد وُجِد منهم أربعة على الولاء، وهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، رضي الله عنهم. ثم كانت(١٤) بعدهم(١٥) فترة، ثم وُجِد منهم ما شاء الله، ثم قد يُوجَد منهم مَن بقي في وقت يعلمه الله. ومنهم المهدي الذي يطابق اسمه اسم رسول الله ﷺ، وكنيته كنيته، يملأ الأرض عدلا وقسطا، كما ملئت جورًا وظلما.
وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث سعيد بن جُمْهان، عن سَفِينة - مولى رسول الله ﷺ - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(١٦) : الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم يكون ملكا عَضُوضا " (١٧).
وقال الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله :﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (١٨) الآية، قال : كان النبي ﷺ وأصحابه بمكة(١٩) نحوا من عشر سنين، يدعون إلى الله وحده، وعبادته وحده لا شريك له سرًا وهم خائفون، لا يؤمرون بالقتال، حتى أمروا بعدُ بالهجرة إلى المدينة، فقدموا المدينة، فأمرهم الله بالقتال، فكانوا بها خائفين يُمْسُون في السلاح ويصبحون في السلاح، فَغَيَّرُوا(٢٠) بذلك ما شاء الله. ثم إن رجلا من أصحابه(٢١) قال : يا رسول الله، أبدَ الدهر نحن خائفون هكذا ؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا [ فيه ](٢٢) السلاح ؟ فقال رسول الله ﷺ :" لن تَغْبروا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم مُحْتَبِيًا ليست فيهم حديدة ". وأنزل الله هذه الآية، فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب، فأمنوا ووضعوا السلاح. ثم إن الله، عز وجل، قبض نبيه ﷺ فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا، فأدخل [ الله ](٢٣) عليهم الخوف فاتخذوا الحَجَزَةَ والشرط وغَيّروا، فَغُيَّر بهم.
وقال بعض السلف : خلافة أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما، حق في كتابه، ثم تلا هذه الآية.
وقال البراء بن عازب : نزلت هذه الآية، ونحن في خوف شديد.
وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى :﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦].
وقوله :﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كما قال تعالى عن موسى، عليه السلام، أنه قال لقومه :﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩]، وقال تعالى :﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥، ٦].
وقوله :﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾، كما قال رسول الله ﷺ لعديّ بن حاتم، حين وفد عليه :" أتعرف الحيرة ؟ " قال(٢٤) : لم أعرفها، ولكن قد(٢٥) سمعت بها. قال :" فوالذي نفسي بيده، ليُتمنّ الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحِيرَة حتى
تطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز ". قلت : كسرى بن هرمز ؟ قال :" نعم، كسرى بن هرمز، وليُبذَلَنّ المالُ حتى لا يقبله أحد ". قال عدي بن حاتم : فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن افتتح(٢٦) كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده، لتكونن الثالثة ؛ لأن رسول الله ﷺ قد قالها(٢٧).
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن أبي سلمة، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله ﷺ :" بشر هذه الأمة بالسَّناء والرفعة، والدين والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب " (٢٨).
وقوله :﴿يعبدونني لا يشركون بي شيئا﴾ قال الإمام أحمد :
حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة عن أنس، أن معاذ بن جبل حدثه قال : بينا(٢٩) أنا رديف رسول الله ﷺ ليس بيني وبينه إلا آخرة الرَّحْل، قال :" يا معاذ "، قلت : لبيك يا رسول الله وسَعْديك. قال : ثم سار ساعة، ثم قال :" يا معاذ بن جبل "، قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك. [ ثم سار ساعة، ثم قال :" يا معاذ بن جبل "، قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك " ](٣٠). قال :" هل تدري ما حق الله على العباد " ؟ قلت : الله ورسوله أعلم. قال :" [ فإن ](٣١) حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا ". قال : ثم سار ساعة. ثم قال :" يا معاذ بن جبل "، قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك. قال :" فهل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك " ؟، قال : قلت : الله ورسوله أعلم. قال :" فإن حق العباد على الله أن لا يعذبهم ".
أخرجاه في الصحيحين من حديث قتادة(٣٢).
وقوله :﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي : فمن خرج عن طاعتي بعد ذلك، فقد فَسَقَ عن أمر ربه وكفى بذلك ذنبًا عظيما. فالصحابة، رضي الله عنهم، لما كانوا أقوم الناس بعد النبي ﷺ بأوامر الله عز وجل، وأطوعهم لله - كان نصرهم بحسبهم، وأظهروا كلمة الله في المشارق والمغارب، وأيدهم تأييدًا عظيما، وتحكموا في سائر العباد والبلاد. ولما قَصَّر الناس بعدهم في بعض الأوامر، نقص ظهورهم بحسبهم، ولكن قد ثبت في الصحيحين، من غير وجه، عن رسول الله ﷺ أنه قال :" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى اليوم(٣٣) القيامة " وفي رواية :" حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك(٣٤) ". وفي رواية :" حتى يقاتلوا الدجال ". وفي رواية :" حتى ينزل عيسى ابن مريم وهم ظاهرون ". وكل هذه الروايات صحيحة، ولا تعارض بينها.
١ - في ف، أ :"صلوات الله وسلامه عليه"..
٢ - في ف، أ :"يصلح"..
٣ - في ف، أ :"ويخضع"..
٤ - في ف :"بعد"..
٥ - في ف، أ :"صلى الله عليه وسلم"..
٦ - زيادة من ف، أ..
٧ - في جـ، أ :"الممالك"..
٨ - في أ :"الصحيحين"..
٩ - صحيح مسلم برقم (٢٨٨٩) من حديث ثوبان، رضي الله عنه..
١٠ - في ف :"ونسأل"..
١١ - في ف، أ :"علي"..
١٢ - صحيح مسلم برقم (١٨٢١) وصحيح البخاري برقم (٧٢٢٢)..
١٣ - صحيح مسلم برقم (١٨٢٢)..
١٤ - في ف، أ :"كان"..
١٥ - في ف، أ :"بينهم"..
١٦ - في ف، أ :"عن سفينة مولى رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال" والمثبت من المسند وسنني أبي داود والترمذي..
١٧ - المسند (٥/٢٢٠) وسنن أبي داود برقم (٤٦٤٦) وسنن الترمذي برقم (٢٢٢٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٨١٥٥) وقال الترمذي :"حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث سعيد بن جمهان" ولم ترد لفظة :"عضوض" في هذه المصادر، وإنما وردت في حديث آخر عن أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل عن النبي ﷺ قال :"إن الله تعالى بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة، وكائنا خلافة ورحمة، وكائنا ملكا عضوضا، وكائنا عنوة وجبرية وفسادا في الأمة... الحديث" أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٨/١٥٩)..
١٨ - في ف :"لنستخلفنهم"..
١٩ - في ف، أ :" بمكة وأصحابة"..
٢٠ - في ف :"فصبروا" وفي أ :"فعيروا"..
٢١ - في ف، أ :"الصحابة"..
٢٢ - زيادة من أ، والدر المنثور ٥/٥٥..
٢٣ - زيادة من أ، والدر المنثور ٥/٥٥..
٢٤ - في ف :"قلت له"..
٢٥ - في ف، أ :"لم أرها وقد".
٢٦ - في أ :"فتح"..
٢٧ - رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٥٩٥)..
٢٨ - المسند (٥/١٣٤)..
٢٩ - في أ :"بينما"..
٣٠ - زيادة من ف، أ، والمسند..
٣١ - زيادة من ف، أ، والمسند..
٣٢ - المسند (٥/٢٤٢) وصحيح البخاري برقم (٥٩٦٧) وصحيح مسلم برقم (٣٠)..
٣٣ - في ف، أ :"يوم"..
٣٤ - في ف، أ :"على ذلك"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
الخنَا، أَفْتَحُ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا، وأسَدِّده لِكُلِّ أَمْرٍ جَمِيلٍ، وَأَهَبُ لَهُ كُلَّ خُلُقٍ كَرِيمٍ، وَأَجْعَلُ السَّكِينَةَ لِبَاسَهُ، وَالْبِرَّ شِعَارَهُ، وَالتَّقْوَى ضَمِيرَهُ، وَالْحِكْمَةَ مَنْطِقَهُ، وَالصِّدْقَ وَالْوَفَاءَ طَبِيعَتَهُ، وَالْعَفْوَ وَالْمَعْرُوفَ خُلُقَهُ، وَالْحَقَّ شَرِيعَتَهُ، وَالْعَدْلَ سِيرَتَهُ، وَالْهُدَى إِمَامَهُ، وَالْإِسْلَامَ مِلَّتَهُ، وَأَحْمَدَ اسْمَهُ، أهْدِي بِهِ بَعْدَ الضَّلَالَةِ، وأعلِّم بِهِ مِنَ الْجَهَالَةِ، وأرْفَعُ بِهِ بَعْدَ الخمَالة، وَأُعْرَفُ بِهِ بَعْدَ النُّكْرَة، وَأُكْثِّرُ بِهِ بَعْدَ الْقِلَّةِ وَأُغْنِي بِهِ بَعْدَ العَيلَة، وَأَجْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ، وَأُؤَلِّفُ بِهِ بَيْنَ أُمَمٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَقُلُوبٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَهْوَاءٍ مُتَشَتَّتَةٍ، وَأَسْتَنْقِذُ بِهِ فِئَامًا مِنَ النَّاسِ عَظِيمًا مِنَ الهَلَكة، وَأَجْعَلُ أُمَّتَهُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، مُوَحِّدِينَ مُؤْمِنِينَ مُخْلِصِينَ، مُصَدِّقِينَ بِمَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلي. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ (١).
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾
هَذَا وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (٢). بِأَنَّهُ سَيَجْعَلُ أُمَّتَهُ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ، أَيْ: أئمةَ النَّاسِ والولاةَ عَلَيْهِمْ، وَبِهِمْ تَصْلُحُ (٣) الْبِلَادُ، وَتَخْضَعُ (٤) لَهُمُ الْعِبَادُ، ولَيُبدلَنّ بَعْدَ خَوْفِهِمْ مِنَ النَّاسِ أَمْنًا وَحُكْمًا فِيهِمْ، وَقَدْ فَعَلَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذَلِكَ. وَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَكَّةَ وَخَيْبَرَ وَالْبَحْرَيْنِ، وَسَائِرَ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَأَرْضَ الْيَمَنِ بِكَمَالِهَا. وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوس هَجَر، وَمِنْ بَعْضِ أَطْرَافِ الشَّامِ، وَهَادَاهُ هِرَقْلُ مَلِكُ الرُّومِ وَصَاحِبُ مِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ -وَهُوَ الْمُقَوْقِسُ -وَمُلُوكُ عُمَانَ وَالنَّجَاشِيُّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ، الَّذِي تَملَّك بَعْدَ أصْحَمة، رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَمَهُ.
ثُمَّ لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاخْتَارَ اللَّهُ لَهُ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ خَلِيفَتُهُ أَبُو بَكْرٍ الصَّدِّيقُ، فَلَمّ شَعَث مَا وَهَى عِنْدَ (٥) مَوْتِهِ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (٦) وأطَّدَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ وَمَهَّدَهَا، وَبَعَثَ الْجُيُوشَ الْإِسْلَامِيَّةَ إِلَى بِلَادِ فَارِسَ صُحْبَةَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَفَتَحُوا طَرَفًا مِنْهَا، وَقَتَلُوا خَلْقًا مِنْ أَهْلِهَا. وَجَيْشًا آخَرَ صُحْبَةَ أَبِي عُبَيْدَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ، وَثَالِثًا صُحْبَةَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إِلَى بِلَادِ مِصْرَ، فَفَتَحَ اللَّهُ لِلْجَيْشِ الشَّامِيِّ فِي أَيَّامِهِ بُصرى وَدِمَشْقَ ومَخَاليفهما مِنْ بِلَادِ حَوران وَمَا وَالَاهَا، وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَاخْتَارَ لَهُ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ. ومَنّ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ بِأَنْ أَلْهَمَ الصَّدِّيقَ أَنِ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ الْفَارُوقَ، فَقَامَ فِي الْأَمْرِ بَعْدَهُ قِيَامًا تَامًّا، لَمْ يَدُر الْفُلْكُ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ [عَلَيْهِمُ السَّلَامُ] (٧) عَلَى مِثْلِهِ، فِي قُوَّةِ سِيرَتِهِ وَكَمَالِ عَدْلِهِ. وَتَمَّ فِي أَيَّامِهِ فَتْحُ الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ بِكَمَالِهَا، وَدِيَارِ مِصْرَ إِلَى آخِرِهَا، وَأَكْثَرِ إِقْلِيمِ فَارِسَ، وكَسَّر كِسْرَى وَأَهَانَهُ غَايَةَ الْهَوَانِ، وَتَقَهْقَرَ إِلَى أَقْصَى مَمْلَكَتِهِ، وقَصَّر قَيْصَرَ، وَانْتَزَعَ يَدَهُ عَنْ بِلَادِ الشَّامِ فَانْحَازَ إِلَى قُسْطَنْطِينَةَ، وَأَنْفَقَ أموالهما في سبيل الله، كما أخبر
(١) وروي عن عبد الله بن سلام وكعب الأحبار كما في الشفا للقاضي عياض (١/١٥).
(٢) في ف، أ: "صلوات الله وسلامه عليه".
(٣) في ف، أ: "يصلح".
(٤) في ف، أ: "ويخضع".
(٥) في ف: "بعد".
(٦) في ف، أ: "صلى الله عليه وسلم".
(٧) زيادة من ف، أ.
بِذَلِكَ وَوَعَدَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ، عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ أَتَمُّ سَلَامٍ وَأَزْكَى صَلَاةٍ.
ثُمَّ لَمَّا كَانَتِ الدَّوْلَةُ الْعُثْمَانِيَّةُ، امْتَدَّتِ الْمَمَالِيكُ (١) الْإِسْلَامِيَّةُ إِلَى أَقْصَى مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، فَفُتِحَتْ بِلَادُ الْمَغْرِبِ إِلَى أَقْصَى مَا هُنَالِكَ: الْأَنْدَلُسُ، وَقُبْرُصُ، وَبِلَادُ الْقَيْرَوَانِ، وَبِلَادُ سَبْتَةَ مِمَّا يَلِي الْبَحْرَ الْمُحِيطَ، وَمِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ إِلَى أَقْصَى بِلَادِ الصِّينِ، وَقُتِلَ كِسْرَى، وَبَادَ مُلْكُهُ بِالْكُلِّيَّةِ. وَفُتِحَتْ مَدَائِنُ الْعِرَاقِ، وَخُرَاسَانُ، وَالْأَهْوَازُ، وَقَتَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ التُّرْكِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً جِدًّا، وَخَذَلَ اللَّهُ مَلِكَهُمُ الْأَعْظَمَ خَاقَانَ، وجُبي الْخَرَاجُ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِلَى حَضْرَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَذَلِكَ بِبَرَكَةِ تِلَاوَتِهِ وَدِرَاسَتِهِ وَجَمْعِهِ الْأُمَّةَ عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ (٢) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوي لِيَ مِنْهَا" (٣) فَهَا نَحْنُ نَتَقَلَّبُ فِيمَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَنَسْأَلُ (٤) اللَّهَ الْإِيمَانَ بِهِ، وَبِرَسُولِهِ، وَالْقِيَامَ بِشُكْرِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُرْضِيهِ عَنَّا.
قَالَ الْإِمَامُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَة قَالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا مَا وَلِيَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا". ثُمَّ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَلِمَةٍ خَفِيَتْ عَنِّي (٥) فَسَأَلْتُ أَبِي: مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: "كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ".
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، بِهِ (٦)
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عَشِيَّةَ رَجَمَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ، وَذَكَرَ مَعَهُ أَحَادِيثَ أُخَرَ (٧)
وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً عَادِلًا وَلَيْسُوا هُمْ بِأَئِمَّةِ الشِّيعَةِ الِاثْنَيْ عَشْرَ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أُولَئِكَ لَمْ يَكُنْ إِلَيْهِمْ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، فَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ مِنْ قُرَيْشٍ، يَلُون فَيَعْدِلُونَ. وَقَدْ وَقَعَتِ الْبِشَارَةُ بِهِمْ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، ثُمَّ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُتَتَابِعِينَ، بَلْ يَكُونُ وُجُودُهُمْ فِي الْأُمَّةِ مُتَتَابِعًا وَمُتَفَرِّقًا، وَقَدْ وُجِد مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ عَلَى الْوَلَاءِ، وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. ثُمَّ كَانَتْ (٨) بَعْدَهُمْ (٩) فَتْرَةٌ، ثُمَّ وُجِد مِنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قَدْ يُوجَد مِنْهُمْ مَن بَقِيَ فِي وَقْتٍ يَعْلَمُهُ اللَّهُ. وَمِنْهُمُ الْمَهْدِيُّ الَّذِي يُطَابِقُ اسْمُهُ اسْمَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكُنْيَتُهُ كُنْيَتَهُ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا وَقِسْطًا، كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُمْهان، عَنْ سَفِينة -مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (١٠) : الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سنة، ثم
(١) في جـ، أ: "الممالك".
(٢) في أ: "الصحيحين".
(٣) صحيح مسلم برقم (٢٨٨٩) من حديث ثوبان، رضي الله عنه.
(٤) في ف: "ونسأل".
(٥) في ف، أ: "علي".
(٦) صحيح مسلم برقم (١٨٢١) وصحيح البخاري برقم (٧٢٢٢).
(٧) صحيح مسلم برقم (١٨٢٢).
(٨) في ف، أ: "كان".
(٩) في ف، أ: "بينهم".
(١٠) في ف، أ: "عَنْ سَفِينَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال" والمثبت من المسند وسنني أبي داود والترمذي.
يَكُونُ مُلْكًا عَضُوضا" (١).
وَقَالَ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (٢) الْآيَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ بِمَكَّةَ (٣) نَحْوًا مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، يَدْعُونَ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ، وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ سرًّا وَهُمْ خَائِفُونَ، لَا يُؤْمَرُونَ بِالْقِتَالِ، حَتَّى أُمِرُوا بعدُ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَدِمُوا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ بِالْقِتَالِ، فَكَانُوا بِهَا خَائِفِينَ يُمْسُون فِي السِّلَاحِ ويصبحون في السلاح، فَغَيَّرُوا (٤) بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ (٥) قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أبدَ الدَّهْرِ نَحْنُ خَائِفُونَ هَكَذَا؟ أَمَا يَأْتِي عَلَيْنَا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ وَنَضَعُ عَنَّا [فِيهِ] (٦) السِّلَاحَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَنْ تَغْبروا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ فِي الْمَلَأِ الْعَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَتْ فِيهِمْ حَدِيدَةٌ". وَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، فَأَظْهَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَأَمِنُوا وَوَضَعُوا السِّلَاحَ. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، قَبَضَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانُوا كَذَلِكَ آمِنِينَ فِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ حَتَّى وَقَعُوا فِيمَا وَقَعُوا، فَأَدْخَلَ [اللَّهُ] (٧) عَلَيْهِمُ الْخَوْفَ فَاتَّخَذُوا الحَجَزَةَ وَالشُّرَطَ وغَيّروا، فَغُيَّر بِهِمْ.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، حَقٌّ فِي كِتَابِهِ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ.
وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَنَحْنُ فِي خَوْفٍ شَدِيدٍ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٢٦].
وَقَوْلُهُ: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٢٩]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [الْقَصَصِ: ٥، ٦].
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَدَيِّ بْنِ حَاتِمٍ، حِينَ وَفَدَ عَلَيْهِ: "أَتَعْرِفُ الْحِيرَةَ؟ " قَالَ (٨) : لَمْ أَعْرِفْهَا، وَلَكِنْ قَدْ (٩) سَمِعْتُ بِهَا. قَالَ: "فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ليُتمنّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ مِنَ الحِيرَة حتى
(١) المسند (٥/٢٢٠) وسنن أبي داود برقم (٤٦٤٦) وسنن الترمذي برقم (٢٢٢٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٨١٥٥) وقال الترمذي: "حَدِيثٌ حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ سعيد بن جمهان" ولم ترد لفظة: "عضوض" في هذه المصادر، وإنما وردت في حديث آخر عن أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بْنِ جَبَلٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إن الله تعالى بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة، وكائنا خلافة ورحمة، وكائنا ملكا عضوضا، وكائنا عنوة وجبرية وفسادا في الأمة... الحديث" أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٨/١٥٩).
(٢) في ف: "لنستخلفنهم".
(٣) في ف، أ: " بمكة وأصحابة".
(٤) في ف: "فصبروا" وفي أ: "فعيروا".
(٥) في ف، أ: "الصحابة".
(٦) زيادة من أ، والدر المنثور ٥/٥٥.
(٧) زيادة من أ، والدر المنثور ٥/٥٥.
(٨) في ف: "قلت له".
(٩) في ف، أ: "لم أرها وقد"
تَطُوفَ بِالْبَيْتِ فِي غَيْرِ جِوَارِ أَحَدٍ، وَلَتَفْتَحُنَّ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ". قُلْتُ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ؟ قَالَ: "نَعَمْ، كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ، وليُبذَلَنّ المالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ". قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: فَهَذِهِ الظَّعِينَةُ تَخْرُجُ مِنْ الْحِيرَةِ فَتَطُوفُ بِالْبَيْتِ فِي غَيْرِ جِوَارِ أَحَدٍ، وَلَقَدْ كُنْتُ فِيمَنِ افْتَتَحَ (١) كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَهَا (٢).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ بالسَّناء وَالرِّفْعَةِ، وَالدِّينِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ، فَمِنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الْآخِرَةِ لِلدُّنْيَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ" (٣).
وَقَوْلُهُ: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هُمَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ حَدَّثَهُ قَالَ: بَيْنَا (٤) أَنَا رَدِيفُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا آخِرَةَ الرَّحْل، قَالَ: "يَا مُعَاذُ"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وسَعْديك. قَالَ: ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: "يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ "، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. [ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: "يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ"] (٥). قَالَ: "هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ"؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " [فَإِنَّ] (٦) حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا". قَالَ: ثُمَّ سَارَ سَاعَةً. ثُمَّ قَالَ: "يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: "فَهَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ"؟، قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّ حَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ".
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ (٧).
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أَيْ: فَمَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَتِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدْ فَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ وَكَفَى بِذَلِكَ ذَنْبًا عَظِيمًا. فَالصَّحَابَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، لَمَّا كَانُوا أَقْوَمَ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَوَامِرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَطْوَعَهُمْ لِلَّهِ -كَانَ نَصْرُهُمْ بِحَسَبِهِمْ، وَأَظْهَرُوا كَلِمَةَ اللَّهِ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، وَأَيَّدَهُمْ تَأْيِيدًا عَظِيمًا، وَتَحَكَّمُوا فِي سَائِرِ الْعِبَادِ وَالْبِلَادِ. وَلَمَّا قَصَّر النَّاسُ بَعْدَهُمْ فِي بَعْضِ الْأَوَامِرِ، نَقُصَ ظُهُورُهُمْ بِحَسَبِهِمْ، وَلَكِنْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خالفهم إلى اليوم (٨) الْقِيَامَةِ" وَفِي رِوَايَةٍ: "حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَهُمْ كَذَلِكَ (٩) ". وَفِي رِوَايَةٍ: "حَتَّى يُقَاتِلُوا الدَّجَّالَ". وَفِي رِوَايَةٍ: "حَتَّى يَنْزِلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وهم ظاهرون". وكل
(١) في أ: "فتح".
(٢) رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٥٩٥).
(٣) المسند (٥/١٣٤).
(٤) في أ: "بينما".
(٥) زيادة من ف، أ، والمسند.
(٦) زيادة من ف، أ، والمسند.
(٧) المسند (٥/٢٤٢) وصحيح البخاري برقم (٥٩٦٧) وصحيح مسلم برقم (٣٠).
(٨) في ف، أ: "يوم".
(٩) في ف، أ: "على ذلك".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ٥٥ } ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
هذا من أوعاده(١)  الصادقة، التي شوهد تأويلها ومخبرها، فإنه وعد من قام بالإيمان والعمل الصالح من هذه الأمة، أن يستخلفهم في الأرض، يكونون هم الخلفاء فيها، المتصرفين في تدبيرها، وأنه يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وهو دين الإسلام، الذي فاق الأديان كلها، ارتضاه لهذه الأمة، لفضلها وشرفها ونعمته عليها، بأن يتمكنوا من إقامته، وإقامة شرائعه الظاهرة والباطنة، في أنفسهم وفي غيرهم، لكون غيرهم من أهل الأديان وسائر الكفار مغلوبين ذليلين، وأنه يبدلهم من بعد خوفهم الذي كان الواحد منهم لا يتمكن من إظهار دينه، وما هو عليه إلا بأذى كثير من الكفار، وكون جماعة المسلمين قليلين جدا بالنسبة إلى غيرهم، وقد رماهم أهل الأرض عن قوس واحدة، وبغوا لهم الغوائل.
فوعدهم الله هذه الأمور وقت نزول الآية، وهي لم تشاهد الاستخلاف في الأرض والتمكين فيها، والتمكين من إقامة الدين الإسلامي، والأمن التام، بحيث يعبدون الله ولا يشركون به شيئا، ولا يخافون أحدا إلا الله، فقام صدر هذه الأمة، من الإيمان والعمل الصالح بما يفوقون على غيرهم، فمكنهم من البلاد والعباد، وفتحت مشارق الأرض ومغاربها، وحصل الأمن التام والتمكين التام، فهذا من آيات الله العجيبة الباهرة، ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة، مهما قاموا بالإيمان والعمل الصالح، فلا بد أن يوجد ما وعدهم الله، وإنما يسلط عليهم الكفار والمنافقين، ويديلهم في بعض الأحيان، بسبب إخلال المسلمين بالإيمان والعمل الصالح.
﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ْ﴾ التمكين والسلطنة التامة لكم، يا معشر المسلمين، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ْ﴾ الذين خرجوا عن طاعة الله، وفسدوا، فلم يصلحوا لصالح، ولم يكن فيهم أهلية للخير، لأن الذي يترك الإيمان في حال عزه وقهره، وعدم وجود الأسباب المانعة منه، يدل على فساد نيته، وخبث طويته، لأنه لا داعي له لترك الدين إلا ذلك. ودلت هذه الآية، أن الله قد مكن من قبلنا، واستخلفهم في الأرض، كما قال موسى لقومه :﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ْ﴾ وقال تعالى :﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾
١ - كذا في النسختين، ولعل الصواب: وعوده..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٥٥} ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
هذا من أوعاده (١) الصادقة، التي شوهد تأويلها ومخبرها، فإنه وعد من قام بالإيمان والعمل الصالح من هذه الأمة، أن يستخلفهم في الأرض، يكونون هم الخلفاء فيها، المتصرفين في تدبيرها، وأنه يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وهو دين الإسلام، الذي فاق الأديان كلها، ارتضاه لهذه الأمة، لفضلها وشرفها ونعمته عليها، بأن يتمكنوا من إقامته، وإقامة شرائعه الظاهرة والباطنة، في أنفسهم وفي غيرهم، لكون غيرهم من أهل الأديان وسائر الكفار مغلوبين ذليلين، وأنه يبدلهم من بعد خوفهم الذي كان الواحد منهم لا يتمكن من إظهار دينه، وما هو عليه إلا بأذى كثير من الكفار، وكون جماعة المسلمين قليلين جدا بالنسبة إلى غيرهم، وقد رماهم أهل الأرض عن قوس واحدة، وبغوا لهم الغوائل.
فوعدهم الله هذه الأمور وقت نزول الآية، وهي لم تشاهد الاستخلاف في الأرض والتمكين فيها، والتمكين من إقامة الدين الإسلامي، والأمن التام، بحيث يعبدون الله ولا يشركون به شيئا، ولا يخافون أحدا إلا الله، فقام صدر هذه الأمة، من الإيمان والعمل الصالح بما يفوقون على غيرهم، فمكنهم من البلاد والعباد، وفتحت مشارق الأرض ومغاربها، وحصل الأمن التام والتمكين التام، فهذا من آيات الله العجيبة الباهرة، ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة، مهما قاموا بالإيمان والعمل الصالح، فلا بد أن يوجد ما وعدهم الله، وإنما يسلط عليهم الكفار والمنافقين، ويديلهم في بعض الأحيان، بسبب إخلال المسلمين بالإيمان والعمل الصالح.
﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ التمكين والسلطنة التامة لكم، يا معشر المسلمين، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الذين خرجوا عن طاعة الله، وفسدوا، فلم يصلحوا لصالح، ولم يكن فيهم أهلية للخير، لأن الذي يترك الإيمان في حال عزه وقهره، وعدم وجود الأسباب المانعة منه، يدل على فساد نيته، وخبث طويته، لأنه لا داعي له لترك الدين إلا ذلك. ودلت هذه الآية، أن الله قد مكن من قبلنا، واستخلفهم في الأرض، كما قال موسى لقومه: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ﴾
(١) كذا في النسختين، ولعل الصواب: وعوده.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠٩ كتب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

إعراب الآية ٥٥ من سورة النّور

من كتاب: إعراب القرآن

من ماء جاء هذا هكذا. وقيل: أصل خلق النار والنور من الماء. فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ ومن مشى على أكثر من أربع فهو يمشي على أربع، وغلب ما يعقل لمّا اجتمع مع ما لا يعقل لأنه المخاطب والمتعبّد.

[سورة النور (٢٤) : آية ٤٩]

وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)
مُذْعِنِينَ في موضع الحال.

[سورة النور (٢٤) : آية ٥٠]

أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)
أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا فأنكر الله عليهم ذلك لما أظهر من البراهين فقال: بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.

[سورة النور (٢٤) : آية ٥١]

إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)
وقرأ الحسن إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ «١» جعله اسم كان والخبر أَنْ يَقُولُوا.

[سورة النور (٢٤) : آية ٥٣]

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٥٣)
قُلْ لا تُقْسِمُوا
نهاهم عن الحلف لأنّ عزمهم كان على غير ذلك فهم آثمون إذا حلفوا. طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ
على إضمار لتكن طاعة، ويجوز أن يكون المعنى: طاعة أولى بكم.
قال أبو إسحاق: يجوز طاعة بالنصب يعني على المصدر.

[سورة النور (٢٤) : آية ٥٤]

قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤)
فَإِنْ تَوَلَّوْا في موضع جزم بالشرط، والأصل تتولّوا فحذفت إحدى التاءين لدلالة الأخرى، وحذفت النون للجزم، والجواب في الفاء وما بعدها.

[سورة النور (٢٤) : آية ٥٥]

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥٥)
فكان في هذه الآية دلالة عن نبوّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأن الله أنجز ذلك الوعد، وكان
(١) قول: بالرفع، وهي قراءة عليّ وابن أبي إسحاق أيضا، انظر البحر المحيط ٦/ ٤٢٩.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٥٥ من سورة النّور

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ...﴾ الآية. [٥٥].
روى الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في هذه الآية، قال:
مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عَشْرَ سنين - بعد ما أوحى الله إليه - خائفاً هو وأصحابه، يدعون إلى الله سبحانه سراً وعلانية. ثم أمر بالهجرة إلى المدينة، وكانوا بها خائفين: يُصْبَحُون في السلاح، ويُمْسُون في السلاح. فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله، ما يأتي علينا يومٌ نأمن فيه ونضع فيه السلاح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن تلبثوا إلا يسيراً حتى يجلس الرجل منكم في الملإِ العظيم مُحْتبياً ليست فيهم حديدة. فأنزل الله تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ...﴾ إلى آخر الآية. فأظهر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على جزيرة العرب، فوضعوا السلاح وآمنوا. ثم قبض الله تعال نبيه، فكانوا آمنين كذلك في إمارة أبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم، حتى وقعوا فيما وقعوا فيه، وكفروا النعمة، فأدخل الله تعالى عليهم الخوف، وغيروا فغير الله [تعالى ما] بهم.
أخبرنا إسماعيل بن الحسن بن حمد بن الحسين النقيب، قال: أخبرنا جدي، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن الحسن النَّصْرَابَاذِيّ، قال: حدثنا أحمد بن سعيد الدَّارِميّ، قال: حدثنا علي بن الحسين بن واقد، قال: حدثنا أبي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب، قال:
قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة، وآوتهم الأنصار -رمتهم العرب عن قوس واحدة: فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح، ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا: أترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله عز وجل؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾ يعني بالنعمة.
رواه الحاكم [أبو عبد الله] في صحيحه عن محمد بن صالح بن هانىء، عن أبي سعيد بن شاذان، عن الدارمي.

القراءات في الآية ٥٥ من سورة النّور

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

اسْتَخْلَفَ

(اسْتُخْلِفَ) بضم التاء وكسر اللام

شعبة عن عاصم

(اسْتَخْلَفَ) بفتح التاء واللام

روح عن يعقوب الدوري عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر أبو الحارث عن الكسائي ابن جمّاز عن أبي جعفر خلاد عن حمزة رويس عن يعقوب خلف عن حمزة قالون عن نافع حفص عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو إسحاق عن خلف الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع إدريس عن خلف

وَلَيُبَدِّلَنَّهُم

(وَلَيُبْدِلَنَّهُمْ) بإسكان الباء وتخفيف الدال وإسكان الميم

روح عن يعقوب رويس عن يعقوب شعبة عن عاصم

(وَلَيُبْدِلَنَّهُمُ) بإسكان الباء وتخفيف الدال وصلة الميم

قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير

(وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ) بفتح الباء وتشديد الدال وإسكان الميم

حفص عن عاصم إسحاق عن خلف إدريس عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو ورش عن نافع قالون عن نافع

(وَلَيُبَدِّلَنَّهُمُ) بفتح الباء وتشديد الدال وصلة الميم

ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر قالون عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٥٥ من سورة النّور

١٥ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٤١ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

آثار متعلقة بالآية

٥ أقوال
١
عن عدي بن حاتم، قال: بينا أنا عند النبيِّ ﷺ إذ أتاه رجلٌ، فشكى إليه الفاقة، ثم أتاه آخرُ، فشكى إليه قطع السبيل، فقال: «يا عديُّ، هل رأيت الحِيرة؟» قلت: لم أرَها، وقد أُنبِئت عنها. قال: «فإن طالت بك حياةٌ فلَتَرَيَنَّ الظَعِينةَ١ ترتحل مِن الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدًا إلا الله». قلتُ فيما بيني وبين نفسي: فأين دُعّار٢ طيء الذين قد سَعَّروا البلاد؟! «ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى». قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: «كسرى بن هرمز، لئن طالت بك حياة لترين الرجل يُخْرِج مِلْءَ كفِّه مِن ذهب وفضة يطلب مَن يقبله منه فلا يجد أحدًا يقبله منه، وليلقين اللهَ أحدُكم يوم القيامة وليس بينه وبينه ترجمان يترجم، فليقولن له: ألم أبعث إليك رسولًا فيبلغك؟ فيقول: بلى. فيقول: ألم أُعطِك مالًا، وأُفَضِّل عليك؟ فيقول: بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم». قال عدي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اتقوا النارَ، ولو بشق تمرة، فمَن لم يجد فبكلمة طيبة». قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل مِن الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف إلا الله، وكنت مِمَّن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياةٌ لَتَرَوُنَّ ما قال النبيُّ أبو القاسم ﷺ يخرج ملء كفه٣
التخريج
  1. ١الظعينة: الراحلة التي يُرحَل ويُظْعَنُ عليها. وقيل الظعينة: المرأة في الهَوْدَج، ثم أطلق على الهودج بلا امرأة، وعلى المرأة بلا هودج. النهاية (ظعن).
  2. ٢الدّعار: قُطّاع الطريق. النهاية (دعر).
  3. ٣أخرجه البخاري ٢‏/‏١٠٨-١٠٩ (١٤١٣)، ٤‏/‏١٩٧-١٩٨ (٣٥٩٥).
٢
عن سفينة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الخلافة ثلاثون عامًا، ثم يكون بعد ذلك المُلْك». قال سفينة: أمسك خلافة أبي بكر رضي الله عنه سنتين، وخلافة عمر رضي الله عنه عشر سنين، وخلافة عثمان رضي الله عنه اثني عشر سنة، وخلافة علي ست سنين رضي الله عنهم١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣٦‏/‏٢٤٨ (٢١٩١٩)، ٣٦‏/‏٢٥٦ (٢١٩٢٨)، وأبو داود ٧‏/‏٤٣ (٢٦٤٦، ٢٦٤٧)، والترمذي ٤‏/‏٢٨٤ (٢٣٧٥)، وابن حبان ١٥‏/‏٣٩٢ (٦٩٤٣)، والحاكم ٣‏/‏١٥٦ (٤٦٩٧). قال الترمذي: «هذا حديث حسن».
٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿يعبدونني لا يشركون بي شيئًا﴾، ذُكِر: أنّ نبي الله ﷺ كان في بعض أسفاره، ورديفه معاذ بن جبل، ليس بينهما إلا آخِرة الرَّحْل، إذ قال نبيُّ الله ﷺ: «يا معاذَ بن جبل». قال: لبيك، يا رسول الله، وسَعْدَيْك. قال: «هل تدري ما حقُّ الله على العباد؟». قال: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنّ حقَّ الله على الناس أن يعبدوه ولا يُشرِكوا به شيئًا». قال: «فهل تدري ما حقُّ الناسِ على الله إذا فعلوا ذلك؟». قال: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنّ حقَّ الناسِ أو العبادِ على الله إذا فعلوا ذلك ألّا يُعَذِّبهم»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٦٣٠ (١٤٧٧٤)، والحديث أخرجه البخاري ٤‏/‏٢٩ (٢٨٥٦)، ٨‏/‏٦٠ (٦٢٦٧)، ٩‏/‏١١٤ (٧٣٧٣)، ومسلم ١‏/‏٥٨ (٣٠).
٤
عن أبي الطاهر، قال: سمعتُ خالي -يعني: عبد الرحمن بن عبد الحميد المصري- يقول: أرى ولايةَ أبي بكر وعمر في كتاب الله عز وجل، يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٦٢٧.
٥
عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سليم بن عامر الكلاعي، قال: سمعتُ المقدادَ بن الأسود يقول: سمعتُ رسول الله يقول: «لا يبقى على ظهر الأرض بيتُ مَدَرٍ ولا وبَرٍ١ إلا أدخله الله كلمةَ الإسلام، بعِزِّ عزيز أو ذُلِّ ذليل، إمّا يُعِزُّهم الله فيجعلهم مِن أهلها، وإما يُذِلُّهم الله فيَدينون لها»٢
التخريج
  1. ١المَدَر: الطين المتماسك. النهاية (مدر). والوَبَر: صُوفُ الإبل والأَرانب ونَحْوِها. اللسان (وبر).
  2. ٢أخرجه أحمد ٣٩‏/‏٢٣٦ (٢٣٨١٤)، والحاكم ٤‏/‏٤٧٦ (٨٣٢٤)، وابن حبان ١٥‏/‏٩١-٩٣ (٦٦٩٩، ٦٧٠١)، ويحيى بن سلّام ١‏/‏٤٥٨-٤٥٩. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين، ولم يخرجاه».

تفسير

١٧ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس، ﴿يعبدونني لا يشركون بي شيئا﴾، قال: لا يخافون أحدًا غيري١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جُرَيج- قول الله: ﴿يعبدونني لا يشركون بي شيئا﴾، قال: تلك أُمَّة محمد ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٧‏/‏٣٥٠، وابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٦٣٠.
٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق ليث- ﴿يعبدونني لا يشركون بي شيئا﴾، قال: لا يخافون أحدًا غيري١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٧‏/‏٣٥٠. وعزاه السيوطي إلى الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر. وأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٣‏/‏٢٩٦ وفيه: لا يحبون غيري.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يعبدونني﴾ يعني: يُوَحِّدونني، ﴿لا يشركون بي شيئا﴾ مِن الآلهة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٢٠٦.
٥
عن مقاتل بن حيّان -من طريق بُكَير- قوله: ﴿يعبدونني لا يشركون بي شيئًا﴾: فقد أنجز الله موعده، وبقي دينُ الله في رقابهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٦٢٩.
٦
عن أبي الشعثاء جابر بن زيد، قال: كنتُ جالِسًا مع حذيفة، وابن مسعود، فقال حذيفةُ: ذَهَب النِّفاق، إنّما كان النِّفاق على عهد رسول الله ﷺ، وإنّما هو اليوم الكفرُ بعد الإيمان. فضحك ابنُ مسعود، ثم قال: بِمَ تقول؟ قال: بهذه الآية: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات﴾ إلى آخر الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي في تفسيره ص٤٨٠. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٧
عن أبي العالية الرِّياحِيِّ -من طريق الربيع- ﴿ومن كفر بعد ذلك﴾، قال: كَفَر بهذه النعمة، ليس الكُفْر بالله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٧‏/‏٣٤٨، وابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٦٣٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٨
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جُرَيج- ﴿ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾، قال: العاصُون١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٦٣١. وعزاه السيوطي إلى الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومن كفر بعد ذلك﴾ التمكين في الأرض؛ ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾ يعني: العاصين١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٢٠٦.
١٠
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾: بلغنا -والله أعلم- أنّه يعني: بِمَن كفر. يقول: مَن كفر هذه النعمةَ التي ذكرها وفعلها بهم، فأنعم بها عليهم؛ ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٦٣٠.
١١
قال يحيى بن سلّام: قال: ﴿يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾، يقول: مَن أقام على كفره بعد هذا الذي أنزلت: ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾، يعني: فسق الشرك١٢
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلّام ١‏/‏٤٥٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في معنى الكفر في قوله تعالى: ﴿ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ فقيل: إنّه كفر بالنعمة لا كفر بالله. وقيل: إنّه كفر بالله. ورجَّح ابنُ جرير (١٧/٣٤٩) مستندًا إلى السياق القول الأول، وهو قول أبي العالية، ومقاتل، وعلَّل ذلك بقوله: «أنّ الله وعَد الإنعام على هذه الأمة بما أخبر في هذه الآية أنه مُنْعِمٌ به عليهم، ثم قال عَقِيب ذلك: فمَن كفر هذه النعمة بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون». ووجَّه ابنُ عطية (٦/٤٠٦) القول الأول بقوله: «ويكون الفسقُ على هذا غيرَ المخرج عن المِلَّة».
١٢
عن ميمون بن مهران الجزري، أنّ عمر بن عبد العزيز قال: اللهُ أجلُّ وأعظمُ مِن أن يَتَّخذ في الأرض خليفةً واحدًا، والله يقول: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض﴾، ولكنِّي أثقلكم حملًا لها١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلّام ١‏/‏٤٥٩.
١٣
عن عطية [العوفي]، ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض﴾، قال: أهل بيت ههنا. وأشار بيده إلى القبلة١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٤
عن محمد بن كعب القرظي -من طريق سفيان، عن رجل- ﴿وعد الله الذين امنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم﴾، قال: نزلت في الوُلاة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٦٢٨، وأخرجه الثوري في تفسيره ص٢٢٥ بلفظ: هم الولاة.
١٥
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق الهيثم بن يمان، عن رجل- في قوله: ﴿وعد الله الذين امنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض﴾، قال: هم أصحابُ محمد ﷺ، استخلفهم في الأرض١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٦٢٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٦/٤٠٥) عن الضحاك -نقلًا من كتاب النقّاش- أنّه قال: «هذه الآية تتضمن خلافةَ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم؛ لأنهم أهلُ الإيمان وعمل الصالحات، وقد قال رسول الله ﷺ: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة»». ثم رجَّح قائلًا: «والصحيح في الآية أنها في استخلاف الجمهور». ولم يذكر مستندًا.
١٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ليستخلفنهم في الأرض﴾، يعني: أرض مكة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٢٠٦.
١٧
عن مقاتل بن حيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿ليستخلفنهم في الأرض﴾: يعني: أرض المدينة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٦٢٨.

نزول الآية

٨ أقوال
١
عن مقاتل بن حيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات﴾: قال بعض المؤمنين: متى يفتح الله على نبيِّه ﷺ مكة، ونأمن في الأرض، ويذهب عنا الجَهْد؟ سمع الله قوله؛ فأنزل الله عند ذلك: ﴿وعد الله الذين امنوا منكم وعملوا الصالحات﴾، يعني: أصحاب النبي ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٦٢٧.
٢
عن أُبَيّ بن كعب، قال: لَمّا قدِم رسولُ الله ﷺ وأصحابُه المدينةَ، وآوتهم الأنصارُ؛ رَمَتْهُم العربُ عن قوسٍ واحدة، فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح، ولا يُصبحون إلا فيه، فقالوا: أترون أنّا نعيشُ حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله؟ فنزلت: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢‏/‏٤٣٤ (٣٥١٢)، والطبراني في الأوسط ٧‏/‏١١٩، وابن مردويه -كما في تخريج أحاديث الكشاف ٢‏/‏٤٤٧-. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وقال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏٨٣ (١١٢٣٧): «رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات».
٣
عن أُبَيّ بن كعب، قال: لَمّا نزلت على النبيِّ ﷺ: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات﴾ الآية؛ قال: «بَشِّر هذه الأُمَّةَ بالسَّنا، والرِّفعة، والدين، والنصر، والتمكين في الأرض، فمَن عمل مِنهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة مِن نصيب»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣٥‏/‏١٤٤-١٤٥ (٢١٢٢٠)، وابن حبان ٢‏/‏١٣٢ (٤٠٥)، والحاكم ٤‏/‏٣٤٦ (٧٨٦٢) جميعهم دون الآية. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه واللفظ له. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وقال الهيثمي في المجمع ١٠‏/‏٢٢٠ (١٧٦٤٦): «رواه أحمد وابنه من طرق، ورجال أحمد رجال الصحيح». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ٧‏/‏٣٤٨ (٧٠٢٩): «رواه أبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، ورواته ثقات».
٤
عن البراء بن عازب -من طريق أبي إسحاق- في قوله: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم﴾ الآية، قال: فينا نزلت، ونحن في خوف شديد١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٦٢٨ (١٤٧٦٧)، من طريق محمد بن أبي حماد، ثنا الحكم بن بشير، عن عمرو بن قيس، عن أبي إسحاق، عن البراء به. إسناده ضعيف؛ محمد بن أبي حمّاد لا يُعرَف، وأبو إسحاق السبيعي كثير التدليس، كما في جامع التحصيل للعلائي ص٢٤٥.
٥
عن أبي العالية الرِّياحِيِّ، قال: كان النبيُّ ﷺ وأصحابُه بمكة نحوًا مِن عشر سنين، يدعون إلى الله وحده، وعبادته وحده لا شريك له، سِرًّا وهم خائفون، لا يُؤمَرون بالقتال، حتى أُمِروا بالهجرة إلى المدينة، فقَدِموا المدينة، فأمرهم الله بالقتال، وكانوا بها خائفين، يُمْسون في السلاح، ويُصْبِحون في السلاح، فَغَبَروا١ بذلك ما شاء الله، ثم إنّ رجلًا مِن أصحابه قال: يا رسول الله، أبَدَ الدهر نحن خائفون هكذا! أما يأتي علينا يومٌ نأمن فيه، ونضع فيه السلاح؟ فقال رسول الله ﷺ: «لن تغبروا إلا يسيرًا حتى يجلس الرجلُ منكم في الملأ العظيم مُحْتَبِيًا ليست فيهم حديدة». فأنزل الله: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض﴾ إلى آخر الآية، فأظهر الله نبيَّه على جزيرة العرب، فأمِنوا، ووضعوا السلاح، ثمَّ إنّ الله قبض نبيه، فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان، حتى وقعوا فيما وقعوا، وكفروا النِّعمة، فأدخل الله عليهم الخوفَ الذي كان رُفِع عنهم، واتخذوا الحُجَر والشُّرَط، وغيَّروا؛ فغُيِّر ما بهم٢
التخريج
  1. ١غبروا: بقوا ومكثوا. النهاية (غبر).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ١٧‏/‏٣٤٨، وابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٦٢٩ (١٤٧٧٢)، واللفظ له. وأورده الثعلبي ٧‏/‏١١٥.
٦
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم﴾، قال: لَمّا صدَّهم المشركون عن العمرة يومَ الحديبية؛ وعَدَهم اللهُ عز وجل أن يُظْهِرَهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٦٢٧.
٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات﴾ وذلك أنّ كُفّار مكة صدُّوا المسلمين عن العمرة عامَ الحديبية، فقال المسلمون: لو أنّ الله عز وجل فتح علينا مكةَ ودخلناها آمنين. فسمع الله عز وجل قولهم؛ فأنزل الله -تبارك وتعالى-: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٢٠٦.
٨
قال مقاتل: لَمّا رجع النبيُّ ﷺ مِن الحديبيّة حزِن أصحابُه، فأطعمهم الله نخلَ خيبر، ووعدهم أن يدخلوا العامَ المقبل مكة آمنين، وأنزل هذه الآية١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٧‏/‏١١٥.

قراءات

٣ أقوال
١
عن عاصم بن أبي النجود أنّه قرأ: ‹لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَما اسْتُخْلِفَ› برفع التاء، وكسر اللام١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. وهي قراءة متواترة، قرأ بها أبو بكر عن عاصم، وقرأ بقية العشرة: ﴿كَما اسْتَخْلَفَ﴾ بفتح التاء واللام. ينظر: النشر ٢‏/‏٣٣٢، والإتحاف ص٤١٣.
٢
عن إسماعيل، عن الحسن [البصري]: ‹ولَيُبْدِلَنَّهُم› مِن أبدلت، وأبي عمرو [بن العلاء]: ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهُم﴾ مِن بدّلت١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي في تفسيره ص٤٨٠.‹ولَيُبْدِلَنَّهُم› بتخفيف الدال قراءة متواترة، قرأ بها ابن كثير، ويعقوب، وأبو بكر عن عاصم، وقرأ بقية العشرة: ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهُم﴾ بتشديدها. انظر: النشر ٢‏/‏٣٣٣، والإتحاف ص٤١٣.
٣
عن عاصم بن أبي النجود أنّه قرأ: ﴿ولَيُمَكِّنَنَّ﴾ بالياء مثقلة، ‹ولَيُبْدِلَنَّهُم› مخففة بالياء١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. ﴿ولَيُمَكِّنَنَّ﴾ بالياء وتشديد الكاف قراءة العشرة.

تفسير الآية

٨ أقوال
١
عن كعب الأحبار -من طريق عمرو البكالي- قال: هم اثنا عشر، فإذا كان عند انقضائهم فيُجْعَل مكانَ اثني عشر اثنا عشر مثلهم، وكذلك وعد الله هذه الأمة. فقرأ: ﴿وعد الله الذين امنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم﴾، وكذلك فعل ببني إسرائيل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٦٢٨.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿كما استخلف الذين من قبلهم﴾ مِن بني إسرائيل وغيرهم، وعدهم أن يستخلفهم بعد هلاك كُفّار مكة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٢٠٦.
٣
قال يحيى بن سلّام: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم﴾ مِن الأنبياء والمؤمنين١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلّام ١‏/‏٤٥٨.
٤
عن أبي العالية الرِّياحِيِّ -من طريق الربيع- قال:... فأظهر الله نبيَّه على جزيرة العرب، فأمِنوا، ووضعوا السلاح، ثم إنّ الله قبض نبيَّه، فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان، حتى وقعوا فيما وقعوا وكفروا النعمة؛ فأدخل الله عليهم الخوفَ الذي كان رفع عنهم، واتخذوا الحُجَرَ والشُّرَطَ، وغَيَّروا؛ فغُيِّر ما بهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٧‏/‏٣٤٨، وابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٦٢٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. وسبق ذكره مطولًا في نزول الآية.
٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم﴾، قال: هو الإسلام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٦٢٨-٢٦٢٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وليمكنن لهم دينهم﴾ الإسلام، حتى يشيع الإسلام ﴿الذي ارتضى لهم﴾ يعني: الذى رَضِي لهم، ﴿وليبدلنهم من بعد خوفهم﴾ مِن كُفّار أهل مكة ﴿أمنا﴾ لا يخافون أحدًا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٢٠٦.
٧
عن مقاتل بن حيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿وليبدلنهم من بعد خوفهم امنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا﴾: فقد فعل الله بهم ذلك وبِمَن كان بعدهم مِن هذه الأمة؛ فمكَّن لهم في الأرض، وأبدلهم أمنًا بعد خوفهم، وبسط لهم في الرزق، ونصرهم على الأعداء١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٦٢٩.
٨
قال يحيى بن سلّام: ﴿وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم﴾ أي: سينصرهم بالإسلام حتى يُظهِرهم على الدين كله، فيكونوا الحُكّام على أهل الأديان... ، ﴿وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾ كقوله: ﴿واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس﴾ فارس والروم، ﴿فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات﴾ [الأنفال:٢٦]١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلّام ١‏/‏٤٥٨.
التفسير بالمأثور لسورة النّور كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٥٥ من سورة النّور

٧ وقفات في هذه الآية

  • الخوف : في المنام أمن لقول ﷻ : ( وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ) ويدل ع التوبة فالخائف تائب ومن رأى أنه خاف من عدوه ، فإنه نصر له لقصة موسى .

    — بدون مصدر

  • برنامج هدى للناس سورة النور أية 55

    — عبد الله بن وكيل الشيخ

  • وقفات مع سورة النور(سورة النور آية 55)

    — عبدالله بلقاسم

  • {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض } مهما مر بالمؤمنين من بلاء فالتمكين لهم متى حققوا العبودية لله..

    — عبدالله الغفيلي

  • ( وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ) • تشتد ظلمة الليل قبل الفجر ثم يعقبها طلوع النور وانتشاره، وكذا المصيبة تبدأ كبيرة ثم لا تزال تصغر حتى تتلاشى. • قال الحكيم : وراء مضيق الخوف متسع الأمن وأول مفروح به غاية الحزن.

    — محمد الحمد

  • قوله {وعد الله الذين آمنوا منكم} إنما زاد {منكم} لأنهم المهاجرون وقبل عام و {من} للتبيين .

    — كتاب أسرار التكرار للكرماني

  • آية (55): *ما الفرق بين الفسق والكفر والظلم؟ (د.فاضل السامرائي) الفسق الخروج عن الطاعة من فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها ويمتد من أيسر الخروج إلى الكفر كله يسمى فاسقاً. فالذي يخرج عن الطاعة وإن كان قليلاً يسمى فاسق والكافر يسمى فاسقاً أيضاً وقال ربنا عن إبليس (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ (50) الكهف) (إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) التوبة) (وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) النور) الكفر سماه فسوق والنفاق سماه فسوق فإذن الفسق ممتد وهو الخروج عن الطاعة. في غير هذا قال (فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ (197) البقرة) ليس كفراً هنا كيف يكون كفراً في الحج؟ الفاسق ليس بالضرورة كافر فقد يصل إلى الكفر وقد لا يصل (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ (11) الحجرات) (وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ (282) البقرة) هذا ليس كفراً، الفسوق يمتد. فسق التمرة أي خرجت من قشرها (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) أي خرج عن أمر ربه وهذا يمتد من أيسر الخروج إلى الكفر ولهذا وصف إبليس بالفسق (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)، وليس كل فاسق كافراً لكن كل كافر فاسق قطعاً (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) التوبة) (وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ). كذلك الظلم، الظلم هو مجاوزة الحد عموماً وقد يصل إلى الكفر (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254) البقرة) وقد لا يصل. أما الكفر فهو الخروج عن المِلّة. الكفر أصله اللغوي الستر وتستعار الدلالة اللغوية للدلالة الشرعية. * ورتل القرآن ترتيلاً : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ (55)) لاحظ كيف قيّد رب العزة والجلال استخلاف المؤمنين الصالحين في الأرض. وذلك ليدل على أن سطوتهم وجبروتهم لن تقتصر على الأمكنة التي يسكنونها من الأرض بل ستشمل كل أرجاء المعمورة بطريقة أو بأخرى. فيمكن أن يحكموها ويمكن أن تكون لهم صولة وجولة بين بقية الأمم والشعوب التي ستسعى عندئذ إلى مسالمتهم ومراضاتهم وبذلك يتم استخلافهم في الأرض كلها. (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ (55)) قد يتوهم البعض أن الله عز وجل لم يكن قد مكّن للمؤمنين دينهم بعد وأن ذلك سيتم لهم بعد إيمانهم وصلاحهم وليس هذا هو المقصود. وليس المراد من التمكين التثبيت والترسيخ بل الغرض منه الشيوع والانتشار. فعندما ينتشر دين الإسلام بين الأمم والشعوب ويكثر متّبعوه يصبح كالشيء الراسخ الثابت الذي لا يُخشى زواله. ولذلك أضاف الحين إلى أولئك المؤمنين الصالحين فقال (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ) لزيادة تشريفهم وإعلاء شأنهم.

    — برنامج ورتل القران ترتيلا

ترجمات معاني الآية ٥٥ من سورة النّور

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(55) Allāh has promised those who have believed among you and done righteous deeds that He will surely grant them succession [to authority] upon the earth just as He granted it to those before them and that He will surely establish for them [therein] their religion which He has preferred for them and that He will surely substitute for them, after their fear, security, [for] they worship Me, not associating anything with Me. But whoever disbelieves[1001] after that - then those are the defiantly disobedient.
[1001]- i.e., denies the favor of Allāh or does not live by His ordinance.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال