تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
استئناف ابتدائي لتحقيق ما اقتضاه قوله :﴿وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً﴾ [النور: ٥٥]، فقد كان المشركون يومئذٍ لم يزالوا في قوة وكثرة، وكان المسلمون لم يزالوا يخافون بأسهم فربما كان الوعد بالأمن من بأسهم متلقىً بالتعجب والاستبطاء الشبيه بالتردد فجاء قوله :﴿لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض﴾ تطميناً وتسلية.
والخطاب لمن قد يخامره التعجب والاستبطاء دون تعيين.
والمقصود من النهي عن هذا الحسبان التنبيه على تحقيق الخبر.
وقراءة الجمهور :﴿تحسبن﴾ بتاء الخطاب. وقرأ ابن عامر وحمزة وحده بياء الغيبة فصار ﴿الذين كفروا﴾ فاعلّ ﴿يحسبن﴾ فيبقى ل ﴿يحسبن﴾ مفعول واحد هو ﴿معجزين﴾. فقال أبو حاتم والنحاس والفراء : هي خطأ أو ضعيفة لأن فعل الحسبان يقتضي مفعولين. وهذا القول جرأة على قراءة متواترة. وقال الزجاج : المفعول الأول محذوف تقديره : أنفسهم، وقد وفق لأن الحذف ليس بعزيز في الكلام. وفي « الكشاف » أن ﴿في الأرض﴾ هو المفعول الثاني، أي لا يحسبوا ناساً معجزين في الأرض ( يعني ما من كائن في الأرض إلا وهو في متناول قدرة الله إن شاء أخذه، أي فلا ملجأ لهم في الأرض كلها ) قال :« وهذا معنى قوي جيّد ».
والمعجز : الذي يُعجز غيره، أي يجعله عاجزاً عن غلبه. وقد تقدم عند قوله تعالى :﴿إن ما توعدون لآتتٍ وما أنتم بمعجزين﴾ في سورة الأنعام ( ١٣٤ ). وكذلك المعاجز بمعنى المحاول عجز ضده تقدم في قوله تعالى :﴿والذين سعوا في آياتنا معاجزين﴾ في سورة الحج ( ٥١ ).
والأرض : هي أرض الدنيا، أي هم غير غالبين في الدنيا كما حسبوا أنه ليس ثمة عالم آخر. وفي الأرض } متعلق ب ﴿بمعجزين﴾ على قراءة الجمهور وعلى بعض التوجيهات من قراءة حمزة وابن عامر، أو هو مفعول ثان على بعض التوجيهات كما علمت.
وقوله :﴿ومأواهم النار﴾ أي هم في الآخرة معلوم أن مأواهم النار فقد خسروا الدارين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى