تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
قال الضحاك، عن ابن عباس : كانوا يقولون : يا محمد، يا أبا القاسم، فنهاهم الله عز وجل، عن ذلك، إعظامًا لنبيه، صلوات الله وسلامه عليه(١) قال : فقالوا : يا رسول الله، يا نبي الله. وهكذا قال مجاهد، وسعيد بن جُبَير.
وقال قتادة : أمر الله أن يهاب نبيه ﷺ، وأن يُبَجَّل وأن يعظَّم وأن يسود.
وقال مقاتل [ بن حَيَّان ](٢) في قوله :﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ يقول : لا تُسَمّوه إذا دَعَوتموه : يا محمد، ولا تقولوا : يا بن عبد الله، ولكن شَرّفوه فقولوا : يا نبي الله، يا رسول الله(٣).
وقال مالك، عن زيد بن أسلم في قوله :﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ قال : أمرهم الله أن يشرِّفوه.
هذا قول. وهو الظاهر من السياق، كما قال تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤]، وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ إلى قوله :﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [الحجرات: ٢ - ٥]
فهذا كله من باب الأدب [ في مخاطبة النبي ﷺ والكلام معه وعنده كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته ](٤) والقول الثاني في ذلك أن المعنى في :﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ أي : لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره، فإن دعاءه مستجاب، فاحذروا أن يدعو عليكم فتهلكوا. حكاه ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، والحسن البصري، وعطية العَوفي، والله(٥) أعلم.
وقوله :﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ قال مقاتل بن حَيَّان : هم المنافقون، كان يثقل عليهم الحديث في يوم الجمعة - ويعني بالحديث الخطبة - فيلوذون ببعض الصحابة - أصحاب محمد ﷺ - حتى يخرجوا من المسجد، وكان لا يصلح للرجل أن يخرج من المسجد إلا بإذن من النبيّ ﷺ في يوم الجمعة، بعدما يأخذ في الخطبة، وكان إذا أراد أحدهم الخروجَ أشارَ بإصبعه إلى النبي ﷺ، فيأذن له من غير أن يتكلم الرجل ؛ لأن الرجل منهم كان إذا تكلم والنبي - ﷺ - يخطب، بطلتْ جُمعته.
قال السُّدِّي كانوا إذا كانوا معه في جماعة، لاذ بعضهم ببعض، حتى يتغيبوا عنه، فلا يراهم.
وقال قتادة في قوله :﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾، يعني : لواذا [ عن نبي الله وعن كتابه.
وقال سفيان :﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ قال : من الصف. وقال مجاهد في الآية :﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ ] (٦) قال : خلافًا.
وقوله :﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي : عن أمر رسول الله ﷺ، سبيله هو(٧)
ومنهاجه وطريقته [ وسنته ](٨) وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قُبِل، وما خالفه فهو مَرْدُود على قائله وفاعله، كائنا ما كان، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، عن رسول الله ﷺ أنه قال :" من عمل عَمَلا ليس عليه أمرنا فهو رَدّ " (٩).
أي : فليحذر وليخْشَ من خالف شريعة الرسول باطنًا أو ظاهرًا ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي : في قلوبهم، من كفر أو نفاق أو بدعة، ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي : في الدنيا، بقتل، أو حَد، أو حبس، أو نحو ذلك.
قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن همام بن مُنَبِّه قال : هذا ما حدَّثنا أبو هُرَيرة قال : قال رسول الله ﷺ :" مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حولها(١٠). جعل الفراش وهذه الدواب اللاتي [ يقعن في النار ](١١) يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه ويتقحَّمن فيها ". قال :" فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزِكم عن النار هلم عن النار، فتغلبوني وتقتحمون فيها ". أخرجاه من حديث عبد الرزاق(١٢)
١ - في ف، أ :"صلى الله عليه وسلم"..
٢ - زيادة من ف، أ..
٣ - في ف :"يا رسول الله، يا نبي الله"..
٤ - زيادة من ف، أ..
٥ - في ف، أ :"فالله"..
٦ - زيادة من ف، أ..
٧ - في ف :"وهو سبيله"..
٨ - زيادة من ف، أ..
٩ - صحيح البخاري برقم (٢٦٩٧) وصحيح مسلم برقم (١٧١٨)..
١٠ - في ف، أ :"حوله"..
١١ - زيادة من ف، أ، والمسند..
١٢ - المسند (٢/٣١٢) ومسلم برقم (٢٢٨٤) وليس عند البخاري من هذا الطريق..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى