جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿لَهُ مُعَقّبَاتٌ مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنّ اللّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىَ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوَءًا فَلاَ مَرَدّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : معناه : لله تعالى ذكره مُعَقبّات، قالوا : الهاء في قوله «له » من ذكر اسم الله، والمعقّبات التي تتعقّب على العبد وذلك أن ملائكة الليل إذا صَعِدت بالنهار أعقبتها ملائكة النهار، فإذا انقضى النهار صعدت ملائكة النهار ثم أعقبتها ملائكة الليل، وقالوا : قيل معقبّات، والملائكة : جمع مَلَك مذكر غير مؤنث، وواحد الملائكة معقب، وجماعتها مُعقّبة، ثم جمع جمعه، أعني جمع معقب بعد ما جمع معقبة. وقيل : معقبات، كما قيل : أبناوات سعد، ورجالات بني فلان جمع رجال.
وقوله : مِنْ بينَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يعني بقوله : مِنْ بينَ يَدَيْهِ من قدّام هذا المستخفي بالليل والسارب بالنهار، وَمَنْ خَلْفِهِ : من وراء ظهره. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن منصور، يعني ابن زاذان، عن الحسن في هذه الآية : لَهُ مُعَقّباتٌ مِنْ بَينَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ قال : الملائكة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح القُشَيريّ، قال : حدثنا عليّ بن جرير، عن حماد بن سلمة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدويّ، قال : دخل عثمان بن عفّان على رسول الله ﷺ فقال : يا رسول الله، أخبرني عن العبد كم معه من ملَك ؟ قال :«مَلَكٌ على يَمِينِكَ على حَسَناتِكَ، وَهُوَ أمِيرٌ على الّذِي على الشّمالِ، فإذَا عَمِلْتَ حَسَنَةً كُتِبَتْ عَشْرا، وَإذَا عَمِلْتَ سَيّئَةً قالَ الّذِي على الشّمالِ للّذِي على اليَمِينِ : اكْتُبْ قالَ : لا لَعَلّهُ يَسْتَغْفِرُ اللّهَ وَيَتُوبُ، فإذَا قالَ ثَلاثا، قالَ : نَعَمْ اكْتُبْ أرَاحَنا اللّهُ مِنْهُ، فَبِئْسَ القَرِينُ، ما أقَلّ مُرَاقَبَتَهُ لِلّهِ، وأقَلّ اسْتِحْياءَهُ مِنّا يَقُولُ اللّهُ : ما يَلْفِظَ مِنْ قَوْلٍ إلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ. وَمَلَكانِ مِنْ بينِ يَدَيْكِ وَمِنْ خَلْفكَ، يَقُولُ اللّهُ : لَهُ مُعَقّباتٌ مِنْ بينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ وَمَلَكٌ قابِضٌ على ناصِيَتَكَ، فإذَا تَوَاضَعْتَ لِلّهِ رَفَعَكَ، وإذَا تَجَبّرْتَ على اللّهِ قَصَمَك. ومَلَكانِ على شَفَتَيْكَ لَيْس يَحْفَظانِ عَلَيْكَ إلاّ الصّلاةَ على مُحَمّد وَمَلَكٌ قائمٌ على فِيكَ لا يَدَعُ الحَيّةَ تَدْخُلُ فِي فِيكَ وَمَلَكانِ على عَيْنَيْكَ. فَهُؤلاءِ عَشْرَةُ أمْلاكٍ على كُلّ آدَميّ، يَنْزِلُونَ مَلائِكَةُ اللّيْلِ على مَلاَئِكَةِ النّهارِ، ( لأن ملائكة الليل سوى ملائكة النهار ) فَهَؤُلاءِ عِشْرُونَ مَلَكا على كُلّ آدَمِيّ، وَإبْلِيسُ بالنّهارِ وَوَلَدُهُ باللّيْلِ ».
حدثنا الحسن بن محمد، قال : حدثنا شبابة، قال : حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : لَهُ مُعَقّباتٌ مِنْ بينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ الملائكة يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ الله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هشيم، عن عبد الملك، عن قيس، عن مجاهد، في قوله : لَهُ مُعَقّباتٌ مِنْ بينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ قال : مع كلّ إنسان حفظة يحفظونه من أمر الله.
قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : لَهُ مُعَقّباتٌ مِنْ بينِ يَديْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ فالمعقبات هنّ من أمر الله، وهي الملائكة.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس : يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ قال : ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدره خَلّوا عنه.
حدثني الحارث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس : لَهُ مُعَقّباتٌ مِنْ بينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ فإذا جاء القدر خَلّوا عنه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم في هذه الآية، قال : الحَفَظة.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم : لَهُ مُعَقباتٌ مِنْ بينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ قال : ملائكة.
حدثنا أحمد بن حازم، قال : حدثنا يَعْلى، قال : حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله : لَهُ مُعَقّباتٌ قال : ملائكة الليل يَعقُبون ملائكة النهار.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : لَهُ مُعَقّباتٌ مِنْ بينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ هذه ملائكة الليل يتعاقبون فيكم بالليل والنهار، وذُكر لنا أنهم يجتمعون عند صلاة العصر وصلاة الصبح. وفي قراءة أبيّ بن كعب :«له معقّبات من بين يديه ورقيب من خلفه يحفظونه من أمر الله ».
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله : لَهُ مَعَقّباتٌ مِنْ بينِ يَدَيْهِ قال : ملائكة يتعاقبونه.
حدثنا القاسم، قال حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس : لَهُ مُعَقّباتٌ مِنْ بينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ قال : الملائكة. قال ابن جريج : معقّبات : قال : الملائكة تَعَاقبُ الليل والنهار. وبلغَنَا أن النبيّ ﷺ قال :«يجتمعون فيكم عند صلاة العصر وصلاة الصبح »وقوله : مِنْ بينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَه قال ابن جريج : مثل قوله : عَنِ اليَمينِ وَعَنِ الشّمالِ قَعِيدٌ قال : الحسنات من بين يديه والسيئات من خلفه، الذي عن يمينه يكتب الحسناتِ والذي عن شماله يكتب السيئات.
حدثنا سَوّار بن عبد الله، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان، قال : سمعت ليثا يحدّث عن مجاهد أنه قال : ما من عبد إلا له ملَك مُوَكّلٌ يِحفِظه في نونه ويقظته من الجنّ والإنس والهوامّ، فما منها شيء يأتيه يريده إلا قال : وراءَك، إلا شيئا يأذن الله فيه فيصيبه.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : لَهُ مُعَقّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ قال : يعني الملائكة.
وقال آخرون : بل عني بالمعقّبات في هذا الموضع : الحرس الذي يتعاقب على الأمير. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو هشام الرفاعيّ، قال : حدثنا ابن يمان، قال : حدثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : لَهُ مُعَقّباتٌ مِنْ بينِ يَدَيْهِ وَمنْ خَلْفهِ قال : ذلك مَلِك من ملوك الدنيا له حرس من دونه حرس.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : لَهُ مُعَقّباتٌ مِنْ بينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يعني : وليّ السلطان يكون عليه الحرس.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن شَرْقيّ أنه سمع عكرمة يقول في هذه الآية : لَهُ مُعَقّباتٌ مِنْ بينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ قال : هؤلاء الأمراء.
حدثني الحارث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا عمرو بن نافع، قال : سمعت عكرمة يقول : لَهُ مُعَقّباتٌ مِنْ بينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ قال : المواكب من بين يديه ومن خلفه.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : لَهُ مُعَقّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ قال : هو السلطان المحروس من أمر الله، وهم أهل الشرك.
وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، قول من قال : الهاء في قوله : لَهُ مُعَقّباتٌ من ذكر «من » التي في قوله : وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ باللّيْلِ وأن المعقبات من بين يديه ومن خلفه، هي حَرَسه وجَلاَوِزته كما قال ذلك مَن ذكرنا قوله.
وإنما قلنا : ذلك أولى التأويلين بالصواب لأن قوله : لَهُ مُعَقّباتٌ أقرب إلى قوله : وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ باللّيْلِ منه إلى عالم الغيب، فهي لقربها منه أولى بأن تكون من ذكره، وأن يكون المعنىّ بذلك هذا، مع دلالة قول الله : وَإذَا أرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلا مَرَدّ لَهُ على أنهم المعِنيّون بذلك. وذلك أنه جلّ ثناؤه ذكر قوما أهل معصية له وأهل ريبة، يستخفون بالليل ويظهرون بالنهار، ويمتنعون عند أنفسهم بحرس يحرسهم، ومَنَعَة تمنعهم من أهل طاعته أن يحولوا بينهم وبين ما يأتون من معصية الله، ثم أخبر أن الله تعالى ذكره إذا أراد بهم سوءا لم ينفعهم حرسهم، ولا يدفع عنهم حفظهم.
وقوله : يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ اختلف أهل التأويل في تأويل هذا الحرف على نحو اختلافهم في تأويل قوله : لَهُ مُعَقّباتٌ فمن قال : المعقبات هي الملائكة، قال : الذين يحفظونه من أمر الله هم أيضا الملائكة ومن قال : المعقبات هي الحرس والجلاوزة من بني آدم، قال : الذين يحفظونه من أمر الله هم أولئك الحرس.
واختلفوا أيضا في معنى قوله : مِنْ أمْرِ اللّهِ فقال بعضهم : حِفْظهم إياه من أمره. وقال بعضهم : يحفظونه من أمر الله بأمر الله. ذكر من قال : الذين يحفظونه هم الملائكة، ووَجّهَ قوله : بأمر الله إلى معنى أن حفظها إياه من أمر الله :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ يقول : بإذن الله، فالمعقبات : هي من أمر الله، وهي الملائكة.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير : يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ قال : الملائكة : الحَفَظَة، وحِفْظُهم إياه من أمر الله.
حدثنا الحسن بن محمد، قال : حدثنا محمد بن عبيد، قال : ثني عبد الملك، عن ابن عبيد الله، عن مجاهد، في قوله : لَهُ مُعَقّباتٌ مِنْ بينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ قال : الحَفَظَة هم من أمر الله.
قال : حدثنا عليّ، يعني ابن عبد الله بن جعفر، قال : حدثنا سفيان، عن عمرو، عن ابن عباس : لَه مُعَقّباتٌ مِنْ بينِ يَدَيْهِ رُقباء وَمِنْ خَلْفِهِ منْ أمْر اللّهِ يَحْفَظُونَهُ.
قال : حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن الجارود، عن ابن عباس : لَهُ مُعَقّباتٌ مِنْ بينِ يَدَيْهِ رقيب وَمِنْ خَلْفِهِ.
حدثني الحارث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا إسر

تفسير هذه الآية من كتب أخرى