روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿لَهُ﴾ الضمير راجع إلى من تقدم ممن أسر بالقول وجهر به إلى آخره باعتبار تأويله بالمذكور وإجرائه مجرى اسم الإشارة وكذا المذكورة بعده ﴿معقبات﴾ ملائكة تعتقب في حفظه وكلائته جمع معقبة من عقب مبالغة في عقبه إذا جاء على عقبه واصله من العقب وهو مؤخر الرجل ثم تجوز به عن كون الفعل بغير فاصل ومهلة كأن أحدهم يطأ عقب الآخر، فالتفعيل للتكثير وهو إما في الفاعل أو في الفعل لا للتعدية لأن ثلاثيه متعد بنفسه، ويجوز أن يكون إطلاق المعقبات على الملائكة عليهم السلام باعتبار أنهم يعقبون أقوال الشخص وأفعاله أي يتبعونها ويحفظونها بالكتابة. وقال الزمخشري : إن أصله معتقبات فهو من باب الافتعال فأدغمت التاء في القاف كقوله تعالى :﴿وَجَاء المعذرون﴾ ( التوبة ؛ ٩٠ ) أي المعتذرون. وتعقب بأنه وهم فاحش فإن التاء لا تدغم في القاف من كلمة أو كلمتين، وقد نص الصرفيون على أن القاف والكاف كل منهما لا يدغم في الآخر ولا يدغمان في غيرهما، والتاء في معقبة للمبالغة كتاء نسابة لأن الملائكة عليهم السلام غير مؤنثين، وقيل : هي للتأنيث بمعنى أن معقبة صفة جماعة منهم، فمعنى معقبات جماعات كل جماعة منها معقبة وليس معقبة جمع معقب، وذكر الطبري أنه جمعه وشبه ذلك برجل ورجال ورجالات وهو كما ترى لكن أوله أبو حيان بأنه أراد بقوله : جمع معقب أنه أطلق من حيث الاستعمال على جمع معقب وإن كان أصله أن يطلق على مؤنث معقب فصار مثل الواردة للجماعة الذين يردون وإن كان أصله أن يطلق على مؤنث وارد ؛ وتشبيه ذلك بما ذكر من حيث المعنى لا من حيث صناعة النحو، فبين أن معقبة من حيث أريد به الجمع كرجال من حيث وضع للجمع وإن معقبات من حيث استعمل جمعاً لمعقبة المستعمل في الجمع كرجالات الذي هو جمع رجال.
وقرأ أبي. وإبراهيم ﴿*معاقيب﴾ وهو جمع كما قال الزمخشري جمع معقب أو معقبة بتشديد القاف فيهما والياء عوض من حذف إحدى القافين في التكسير، وقال ابن جني : إنه تكسير معقب كمطعم ومطاعيم ومقدم ومقاديم كأنه جمع على معاقبة ثم حذفت الهاء من الجمع وعوضت الياء عنها ولعله الأظهر، وقرىء ﴿*معتقبات﴾ من اعتقب ﴿مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ متعلق بمحذوف وقع صفة لمعقبات أو حالاً من الضمير في الظرف الواقع خبراً له، فالمعنى أن المعقبات محيطة بجميع جوانبه أو هو متعلق بمعقبات و ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية، فالمعنى أن المعقبات تحفظ ما قدم وأخر من الأعمال أي تحفظ جميع أعماله، وجوز أن يكون متعلقاً بقوله تعالى :﴿يَحْفَظُونَهُ﴾ والجملة صفة معقبات أو حال(١) من الضمير في الظرف.
وقرأ أبي ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَرقيب مِنْ خَلْفِهِ﴾ وابن عباس ﴿وَرقباء مِنْ خَلْفِهِ﴾ وروى مجاهد عنه أنه قرأ ﴿لَهُ معقبات مّن * خَلْفِهِ ورقيب من*بَيْنِ يَدَيْهِ يَحْفَظُونَهُ﴾ ﴿مِنْ أَمْرِ الله﴾ متعلق بما عنده و ﴿مِنْ﴾ للسببية أي يحفظونه من المضار بسبب أمر الله تعالى لهم بذلك، ويؤيد ذلك أن علياً كرم الله تعالى وجهه، وابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وزيد بن علي. وجعفر بن محمد. وعكرمة رضي الله تعالى عنهم قرؤا ﴿بِأَمْرالله﴾ بالباء وهي ظاهرة في السببية.
وجوز أن يتعلق بذلك أيضاً لكن على معنى يحفظونه من بأسه تعالى متى أذنب بالاستمهال أو الاستغفار له أي يحفظونه باستدعائهم من الله تعالى أن يمهله ويؤخر عقابه ليتوب أو يطلبون من الله تعالى أن يغفر له ولا يعذبه أصلاً، وقال في «البحر » : إن معنى الكلام يصير على هذا الوجه إلى التضمين أي يدعون له بالحفظ من نقمات الله تعالى.
وقال الفراء. وجماعة : في الكلام تقديم وتأخير أي له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، وروى هذا عن مجاهد. والنخعي. وابن جريج فيكون ﴿مِنْ أَمْرِ الله﴾ متعلقاً بمحذوف وقع صفة لمعقبات أي كانئة من أمره تعالى، وقيل : إنه لا يحتاج في هذا المعنى إلى دعوى تقديم وتأخير بأن يقال : إنه سبحانه وصف المعقبات بثلاث صفات. إحداها : كونها كائنة من بين يديه ومن خلفه. وثانيتها : كونها حافظة له. وثالثتها : كونها كائنة من أمره سبحانه، وإن جعل ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ متعلقاً بيحفظونه يكون هناك صفتان الجملة والجار والمجرور، وتقديم الوصف بالجملة على الوصف به سائغ شائع في الفصيح، وكأن الوصف بالجملة الدالة على الديمومة في الحفظ لكونه آكد قدم على الوصف الآخر. وأخرج ابن أبي حاتم. وابن جرير. وأبو الشيخ عن ابن عباس أن المراد بالمعقبات الحرس الذين يتخذهم الأمراء لحفظهم من القتل ونحوه، وروى مثله عن عكرمة، ومعنى ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله﴾ أنهم يحفظونهم من قضاء الله تعالى وقدره ويدفعون عنه ذلك في توهمه لجهله بالله تعالى. ويجوز أن يكون من باب الاستعارة التهكمية على حد ما اشتهر في قوله تعالى :﴿فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ * أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٢١] فهو مستعار لضده وحقيقته لا يحفظونه. وعلى ذلك يخرج قول بعضهم : إن المراد لا يحفظونه لا على أن هناك نفياً مقدراً كما يتوهم، والأكثرون على أن المراد بالمعقبات الملائكة.
وفي «الصحيح » " يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر " وذكروا أن مع العبد غير الملائكة الكرام الكاتبين ملائكة حفظة، فقد أخرج أبو داود. وابن المنذر وابن أبي الدنيا.
وغيرهم عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : لكل عبد حفظة يحفظونه لا يخر عليه حائط أو يتردى في بئر أو تصيبه دابة حتى إذا جاء القدر الذي قدر له خلت عنه الحفظة فأصابه ما شاء الله تعالى أن يصيبه.
وأخرج ابن أبي الدنيا. والطبراني. والصابوني عن أبي أمامة قال : قال رسول الله ﷺ :«وكل بالمؤمن(٢) ثلاثمائة وستون ملكاً يدفعون عنه ما لم يقدر عليه من ذلك للبصر سبعة أملاك يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل من الذباب في اليوم الصائف وما لو بدا لكم لرأيتموه على كل سهل وجبل كلهم باسط يديه فاغر فاه وما لو وكل العبد فيه إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين »
وأخرج ابن جرير عن كنانة العدوي قال : دخل عثمان رضي الله تعالى عنه على رسول الله ﷺ فقال : يا رسول الله أخبرني عن العبد كم معه من ملك ؟ فقال :«ملك عن يمينك على حسناتك وهو أمير على الذي على الشمال إذا عملت حسنة كتبت عشراً فإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين : أأكتب ؟ قال : لا لعله يستغفر الله تعالى ويتوب فإذا قال ثلاثاً قال : نعم اكتب أراحنا الله تعالى منه فبئس القرين ما أقل مراقبته لله سبحانه وأقل استحياءه منه تعالى يقول الله جل وعلا :﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] وملكان من بين يديك وملكان من خلفك يقول الله تعالى :﴿لَهُ معقبات مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله﴾ وملك قابض على ناصيتك فإذا تواضعت لله تعالى رفعك وإذا تجبرت على الله تعالى قصمك وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحية فيه وملكان على عينك فهؤلاء عشرة أملاك ينزلون على بني آدم في النهار وينزل مثلهم في الليل »
والأخبار في هذا الباب كثيرة. واستشكل أمر الحفظ بأن المقدر لا بد من أن يكون وغير المقدر لا يكون أبداً فالحفظ من أي شيء. وأجيب بأن من القضاء والقدر ما هو معلق فيكون الحفظ منه ولهذا حسن تعاطي الأسباب وإلا فمثل ذلك وارد فيها بأن يقال : إن الأمر الذي نريد أن نتعاطاه إما أن يكون مقدراً وجوده فلا بد أن يكون أو مقدراً عدمه فلا بد أن لا يكون فما الفائدة في تعاطيه والتشبث بأسبابه. وتعقب هذا بأن ما ذكر إنما حسن منا لجهلنا بأن ما نطلبه من المعلق أو من غيره والمسألة المستشكلة ليست كذلك، وأنت تعلم أن الله تعالى جعل في المحسوسات أسباباً محسوسة وربط بها مسبباتها حسبما تقضيه حكمته الباهرة ولو شاء لأوجد المسببات من غير أسباب لغناه جل شأنه الذاتي، ولا مانع من أن يجعل في الأمور الغير المحسوسة أسباباً يربط بها المسببات كذلك، وحينئذ يقال : إنه جلت عظمته جعل أولئك الحفظة أسباباً للحفظ كما جعل في المحسوس نحو الجفن للعين سبباً لحفظها مع أنه ليس سبباً إلا للحفظ مما لم يبرم من قضائه وقدره جل جلاله، والوقوف على الحكم بأعيانها مما لم نكلف به، والعلم بأن أفعاله تالى لا تخلو عن الحكم والمصالح على الإجمال مما يكفي المؤمن، ويقال نحو هذا في أمر الكرام الكاتبين فهم موجودون بالنص وقد جعلهم الله تعالى حفظة لأعمال العبد كاتبين لها ونحن نؤمن بذلك وإن لم نعلم ما قلمهم وما مدادهم وما قرطاسهم وكيف كتابتهم وأين محلهم وما حكمة ذلك مع أن علمه تعالى كاف في الثواب والعقاب عليها وكذا تذكر الإنسان لها وعلمه وعلمه بها يوم القيامة كاف في دفع ما عسى أن يختلج في صدره عند معاينة ما يترتب عليها.
ومن الناس من خاض في بيان الحكمة وهو أسهل من بيان ما معها.
وذكر الإمام الرازي في جواب السؤال عن فائدة جعل الملائكة عليهم السلام موكلين علينا كلاماً طويلاً فقال : إعلم أن ذلك غير مستبعد لأن المنجمين اتفقوا على أن التدبير في كل يوم لكوكب على حدة وكذا القول في كل ليلة، ولا شك أن لتلك الكواكب أرواحاً عندهم فتلك التدبيرات المختلفة لتلك الكواكب أوراحاً عندهم فتلك التدبيرات المختلفة لتلك الأرواح في الحقيقة، وكذا القول في تدبير الهيلاك والكدخداه على ما يقولون. وأما أصحاب الطلسمات فهذا الكلام مشهور على ألسنتهم فإنهم يقولون : أخبرنا الطباع التام بكذا، ومرادهم به أن لكل إنسان روحاً فلكية تتولى صلاح مهماته ودفع بلياته وآفاته، وإذا كان هذا متفقاً عليه بين قدماء الفلاسفة وأصحاب الأحكام فكيف يستبعد مجيئة في الشرع.
وتمام التحقيق فيه أن الأرواح البشرية مختلفة في جواهرها وطبائعها فبعضها خية وبعضها شريرة وبعضها حرة وبعضها نذلة وبعضها قوية القهر وبعضها ضعيفته، وكما أن الأمر في الأرواح البشرية كذلك فكذلك القول في الأرواح الفلكية، ولا شك أن الأرواح الفلكية في كل باب وصفة أقوى من الأرواح البشرية، وكل طائفة من الأرواح البشرية تكون متشاركة في طبيعة خاصة وصفة مخصوصة وتكون في مرتبة روح من الأرواح الفلكية مشاكلة لها في الطبيعة والخاصية، فتكون تلك الأرواح البشرية كأنها أولاد لذلك الروحي الفلكي وإذا كان الأمر كذلك فإن ذلك الروح الفلكي يكون معيناً على مهماتها ومرشداً لها إلى مصالحها وعاصماً إياها عن صنوف الآفات، وهذا كلام ذكره محققو الفلاسفة، وبذلك يعلم أن ما وردت به الشريعة أمر مقبول عند الكل فلا يمكن استنكاره اه.
ولعل مقصوده بذلك تنظير أمر الحفظة مع العبد بأمر الأرواح الفلكية معه على زعم الفلاسفة في الجملة، وإلا فما يقوله المسلمون في أمرهم أمر وما يقوله الفلاسفة في أمر تلك الأرواح أمر آخر وهيهات هيهات أن نقول بما قالوا فإنه بعيد عما جاء عن الشارع عليه الصلاة والسلام بمراحل، ثم ذكر عليه الرحمة من فوائد الحفظة للأعمال أن العبد إذا علم أن الملائكة عليهم السلام يحضرونه ويحصون عليه أعماله وهم هم كان أقرب إلى الحذر عن ارتكاب المعاصي، كمن يكون بين يدي أناس أجلاء من خدام الملك موكلين عليه فإن
١ - وقد تكون مستأنفة اهـ منه..
٢ - لعل التخصيص بالذكر للشرف فلا تغفل اهـ منه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى