تفسير المراغي — المراغي

عن الكتاب
تفسير المفردات : والرعد : هو الصوت المسموع خلال السحاب. وسببهما على ما بيّن في العلوم الطبيعية : أن البرق يحدث من تقارب سحابتين مختلفي الكهربائية، حتى يصير ميل إحداهما للاقتراب من الأخرى أشد من قوة الهواء على فصلهما فتهجم كل منهما على الأخرى بنور زاهر وصوت قوي شديد، فذلك النور هو البرق. والصوت هو الرعد الذي نشأ من تصادم دقائق الهواء الذي تطرده كهربائية البرق أمامها. والصواعق : واحدها صاعقة. وسببها أن السحب قد تمتلئ بكهربائية والأرض بكهربائية أخرى والهواء يفصل بينهما، فإذا قاربت السحب وجه الأرض تنقص الشرارة الكهربائية منها فتنزل صاعقة تهلك الحرث والنسل. والمجادلة : من الجدل وهو شدة الخصومة، وأصله من جدلت الحبل إذا أحكمت فتله، كأن المجادلين يفتل كل منهما الآخر عن رأيه. والمحال : أي أفتله المماحلة والمكايدة لأعدائه، يقال محل فلان بفلان إذا كايده وعرضه للهلاك، وتمحل إذا تكلف في استعمال الحيلة، في ضلال أي ضياع وخسار.
المعنى الجملي : بعد أن خوّف سبحانه عباده بأنه إذا أراد السوء بقوم فلا يدفعه أحد أتبعه بذكر آيات تشبه النعم والإحسان حينا وتشبه العذاب والنقم حينا آخر.
روي أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخا لبيد وفدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وسألاه أن يجعل لهما نصف الأمر فأبى عليهما ذلك، فقال له عامر لعنه الله : أما والله لأملأنّها عليك خيلا جردا ورجالا مردا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يأبى الله عليك ذلك وابنا قيلة – الأنصار من الأوس والخزرج- " ثم إنهما همّا بالفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل أحدهما يخاطبه والآخر يستل سيفه ليقتله من ورائه، فحماه الله تعالى منهما وعصمه، فخرجا من المدينة وانطلقا في أحياء العرب يجمعان لحربه، فأرسل الله على أربد سحابة فيها صاعقة فأحرقته، وأرسل الطاعون على عامر فخرجت فيه غدّة كغدّة البكر، فآوى إلى بيت سلوليّة وجعل يقول : غدّة كغدّة البكر وموت في بيت سلولية، حتى مات. وأنزل الله في مثل ذلك :﴿ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله﴾.
الإيضاح :﴿ويسبّح الرعد بحمده﴾ أي إن في صوت الرعد لدلالة على خضوعه وتنزيهه عن الشريك والعجز، كما يدل صوت المسبح وتحميده على انقياده لقدرة ذلك الحكيم الخبير.
ونحو الآية قوله سبحانه :﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء: ٤٤].
أخرج احمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم عن ابن عمر : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع صوت الرعد والصواعق يقول :" اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك ".
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا هبت الريح أو سمع صوت الرعد تغير لونه حتى يعرف ذلك في وجهه، ثم يقول للرعد :" سبحان من سبحت له " وللريح :" اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا ".
﴿والملائكة من خيفته﴾ أي ويسبح الملائكة الكرام من هيبته وجلاله، وينزهونه عن اتخاذ الصاحبة والولد.
﴿ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء﴾ إصابته بها فيهلكه.
﴿وهم يجادلون في الله﴾ أي يجادلون في شأنه تعالى، وفيما وصفه به الرسول الكريم، من كمال العلم والقدرة والتفرد بالألوهية وإعادة الناس للجزاء على أعمالهم يوم العرض والحساب.
وفي هذا تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم فإنه لما نعى على كفار قريش عنادهم في اقتراحهم الآيات الحسية كآيات موسى وعيسى عليهما السلام، وإنكارهم كون الذي جاء به عليه السلام آية سلاّه بما ذكر كأنه قال له : إن هؤلاء لم يقصروا جحدهم وإنكارهم على النبوّة بل تخطّوه إلى الألوهية، ألا تراهم مع ظهور الآيات البينات على التوحيد يجادلون في الله باتخاذ الشركاء وإثبات الأولاد له، ومع إحاطة علمه وشمول قدرته ينكرون البعث والجزاء والعرض للحساب، ومع شديد بطشه وعظيم سلطانه يقدمون على المكايدة والعناد فهوّن عليك، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات.
﴿وهو شديد المحال﴾ أي وهو سبحانه لا يغالب، فهو شديد البطش والكيد لأعدائه، يأتيهم من حيث لا يحتسبون ولا يترقبون، وهو القادر على أن ينزل عذابا من عنده لا يستطيعون حيلة لدفعه ولا قوة على رده، لكنه يمهلهم لأجل معلوم بحسب ما تقتضيه الحكمة كما صح في الحديث :" إن ربك لا يهمل ولكن يمهل ".
ومثل الآية قوله :﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾ [هود: ١٠٢] وقوله :﴿مكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون ٥٠ فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين﴾ [النمل: ٥٠ -٥١].
قال ابن جرير في تفسير ذلك : والله شديد في عقوبة من طغى عليه وعتا وتمادى في كفره.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى