تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة

عن الكتاب
المفردات :
ابتغاء وجه ربهم : الابتغاء معناه : الطلب، والمراد بالوجه : الذات.
ويدرءون : أي : يدفعون.
عقبى الدار : عاقبة دار الدنيا التي أعدت للصالحين وهي الجنة.
التفسير :
﴿والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية﴾.
تستمر هذه الآية مع ما سبقها في وصف أولي الألباب ؛ فهم صابرون على البأساء، راضون بالقضاء، والصبر على المكاره جزاؤه عظيم، وقد ذكر الصبر في القرآن في أكثر من سبعين موضعا، وهو أنواع : منه : الصبر على الطاعات، ومنه : الصبر عن المعاصي، ومنه : الصبر على المصائب عند الصدمة الأولى، فهم صابرون ابتغاء وجه الله، أي : رغبة في ثوابه، لا خوفا من شماتة الشامتين، كما قال الشاعر :
وتجلدى للشامتين أريهمأني لريب الدهر لا أتضعضع
﴿وأقاموا الصلاة﴾. أي : أدوا الصلاة في أوقاتها محافظين على خشوعها وخضوعها.
﴿وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية﴾.
فهم ينفقون سرا حيث يكون السر أفضل، مثل : صدقة التطوع، ومثل : الصدقة على كرام الناس المتعففين تجملا، ومن يزعجهم الصدقة عليهم في الملأ ؛ وينفقون علنا في أداء الفريضة، وعند التسابق ؛ ليقتدي بهم غيرهم، أي : أنهم حكماء في تصرفهم، ينفقون في جميع الأحوال، وحسب ما تقتضيه الحكمة.
﴿ويدرءون بالحسنة السيئة﴾. أي : يقابلون إساءة من أساء إليهم بالإحسان إليه، إذا كان ذلك من الحكمة ؛ كما قال عز شأنه :﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾( فصلت : ٣٤ ).
وقد أباح الإسلام مقابلة السيئة بالسيئة ؛ إذا كان المسئ لئيما لا يردعه إلا العقوبة، أما إذا كان المسئ كريما فالصفح أنسب، قال تعالى :﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾( الشورى : ٤١ ).
وذكر بعض المفسرين : أن الآية تشير إلى إتباع السيئة بالحسنة، أو الاستغفار والتوبة ؛ في أعقاب الذنب.
﴿أولئك لهم عقبى الدار﴾. أي : حسن الجزاء من العاقبة، وهو دخول الجنة في الآخرة.
قال تعالى :﴿وتلك الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون﴾.
والجملة الكريمة خبر عن الذين يوفون بعهد الله... وما عطف عليها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى