تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ قال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس : فرح وقُرة عين. وقال عِكْرِمة : نعم مالهم.
وقال الضحاك : غبطة لَهُم. وقال إبراهيم النَّخعي : خير لهم.
وقال قتادة : هي كلمة عربية(١) يقول الرجل :" طوبى لك "، أي : أصبت خيرًا. وقال في رواية :﴿طُوبَى لَهُمْ﴾ حسنى لهم.
﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ أي : مرجع.
وهذه الأقوال شيء واحد لا منافاة بينها.
وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس :﴿طُوبَى لَهُمْ﴾ قال : هي أرض الجنة بالحبشية.
وقال سعيد بن مَسْجُوح : طوبى اسم الجنة بالهندية. وكذا روى السدي، عن عِكْرِمة :﴿طُوبَى لَهُمْ﴾ أي : الجنة. وبه قال مجاهد.
وقال العوفي، عن ابن عباس : لما خلق الله الجنة وفرغ منها قال :﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ وذلك حين أعجبته.
وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن شَهْر بن حَوْشَب قال :﴿طُوبَى﴾ شجرة في الجنة، كل شجر الجنة منها، أغصانها من وراء سور الجنة.
وهكذا رُوي عن أبي هريرة، وابن عباس، ومغيث بن سُمَىّ، وأبي إسحاق السَّبِيعي وغير واحد من السلف : أن طوبى شجرة في الجنة، في كل دار منها غصن منها.
وذكر بعضهم أن الرحمن، تبارك وتعالى، غرسها بيده من حبة لؤلؤة، وأمرها أن تمتد، فامتدت إلى حيث يشاء الله تبارك وتعالى، وخرجت من أصلها ينابيع أنهار الجنة، من عسل وخمر وماء ولبن. (٢) وقد قال عبد الله بن وهب : حدثنا عمرو بن الحارث، أن درَّاجا أبا السَّمْح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، [ مرفوعا :" طوبى : شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها ". (٣)
وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى، سمعت عبد الله بن لَهِيعة، حدثنا دَرَّاج أبو السمح، أن أبا الهيثم حدثه، عن أبي سعيد الخدري ](٤) عن رسول الله ﷺ : أن رجلا قال : يا رسول الله، طوبى لمن رآك وآمن بك. قال :" طوبى لمن رآني وآمن بي، ثم طوبى، ثم طوبى، ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني ". قال له رجل : وما طوبى ؟ قال :" شجرة في الجنة مسيرة مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها ". (٥) وروى البخاري ومسلم جميعًا، عن إسحاق بن راهويه، عن مغيرة المخزومي، عن وَهيب، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله ﷺ :" إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها " قال : فحدثت به النعمان بن أبي عياش الزّرَقي، فقال : حدثني أبو سعيد الخُدْري، عن النبي ﷺ قال :" إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجَوَاد المضمَّرَ السريع مائة عام ما يقطعها ". (٦) وفي صحيح البخاري، من حديث يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله ﷺ في قول الله :﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] قال :" في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها ". (٧) وقال الإمام أحمد : حدثنا سُرَيْج، حدثنا فُلَيْح، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :" في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة(٨) اقرءوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ أخرجاه في الصحيحين. (٩) وقال [ الإمام ](١٠) أحمد أيضًا : حدثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا حدثنا شعبة، سمعت أبا الضحاك يحدث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال :" إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين - أو : مائة - سنة هي شجرة الخلد ". (١١) وقال محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر، رضي الله عنها، قالت : سمعت رسول الله ﷺ، وذكر سدرة المنتهى، قال :" يسير في ظل الفنن منها الراكب مائة سنة - أو : قال - : يستظل في الفنن منها مائة راكب، فيها فراش الذهب، كأن ثمرها القلال ". رواه الترمذي. (١٢)
وقال إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام الأسود قال : سمعت أبا أمامة الباهلي قال : قال رسول الله ﷺ :" ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا انطلق به إلى طوبى، فتفتح له أكمامها، فيأخذ من أي ذلك شاء، إن شاء أبيض، وإن شاء أحمر، وإن شاء أصفر، وإن شاء أسود، مثل شقائق النعمان وأرق وأحسن ". (١٣) وقال الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن مَعْمَر، عن أشعث بن عبد الله، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : طوبى شجرة في الجنة، يقول الله لها :" تَفَتَّقي لعبدي عَمّا شاء ؛ فتفتق له عن الخيل بسروجها ولجمها، وعن الإبل بأزمتها، وعما شاء من الكسوة " (١٤). وقد روى ابن جرير عن وهب بن منبه هاهنا أثرًا غريبًا عجيبا، قال وهب، رحمه الله : إن في الجنة شجرة يقال لها :" طوبى "، يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، زهرها رياط، وورقها برود، وقضبانها عنبر، وبطحاؤها ياقوت، وترابها كافور، وَوحَلها مسك، يخرج من أصلها أنهار الخمر واللبن والعسل، وهي مجلس لأهل الجنة، فبينا هم في مجلسهم إذ أتتهم ملائكة من ربهم يقودون نجبا مزمومة بسلاسل من ذهب وجوهها كالمصابيح حسنا(١٥) ووبرها كخز المْرعِزّي(١٦) من لينه، عليها رحال ألواحها من ياقوت، ودفوفها(١٧) من ذهب، وثيابها من سندس وإستبرق، فينيخونها ويقولون : إن ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه وتسلموا عليه قال : فيركبونها، فهي أسرع من الطائر، وأوطأ من الفراش، نجيا من غير مَهَنَة، يسير الرجل إلى جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه، لا تصيب(١٨) أذن راحلة منها أذن الأخرى، ولا بَرك راحلة برك الأخرى، حتى إن شجرة لتتنحَّى عن طريقهم، لئلا تفرق بين الرجل وأخيه. قال : فيأتون إلى الرحمن الرحيم فيسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه، فإذا رأوه قالوا : اللهم، أنت السلام ومنك السلام، وحق لك الجلال والإكرام. قال : فيقول تعالى [ عند ذلك ](١٩) أنا السلام ومني السلام، وعليكم حقت رحمتي ومحبتي، مرحبا بعبادي الذين خشوني بغيب وأطاعوا أمري ".
قال : فيقولون : ربنا لم نعبدك حق عبادتك، ولم نقدرك حق قدرك، فأذن لنا في السجود قُدامك قال : فيقول الله :" إنها ليست بدار نصب ولا عبادة، ولكنها دار مُلْك ونعيم، وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة، فسلوني ما شئتم، فإن لكل رجل منكم أمنيته " فيسألونه، حتى أن أقصرهم أمنية ليقول : رب، تنافس(٢٠) أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا فيها، رب فآتني مثل كل شيء كانوا فيه من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا. فيقول الله تعالى :" لقد قصرت بك أمنيتك، ولقد سألت دون منزلتك، هذا لك مني، [ وسأتحفك بمنزلتي ](٢١) ؛ لأنه ليس في عطائي نكد ولا تَصريد ". قال : ثم يقول :" اعرضوا على عبادي ما لم يبلغ أمانيهم، ولم يخطر لهم على بال ". قال : فيعرضون عليهم حتى تَقْصر بهم أمانيهم التي في أنفسهم، فيكون فيما يعرضون عليهم براذين مُقْرنة، على كل أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة، على كل سرير منها قبة من ذهب مُفرَّغة، في كل قبة منها فرش من فُرش الجنة مُتظاهرة، في كل قبة منها جاريتان من الحور العين، على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة، وليس في الجنة لون إلا وهو فيهما(٢٢) ولا ريح طيبة إلا قد عبقتا به(٢٣) ينفذ ضوء وجوههما غلظ القبة، حتى يظن من يراهما أنهما دون القبة، يرى مخهما من فوق سوقهما، كالسلك الأبيض في ياقوتة حمراء، يريان له من الفضل على صاحبته(٢٤) كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل، ويرى هو لهما مثل ذلك، ويدخل إليهما فيحييانه ويقبلانه ويعتنقانه(٢٥) به، ويقولان له : والله ما ظننا أن الله يخلق مثلك. ثم يأمر الله تعالى الملائكة فيسيرون بهم صفا في الجنة، حتى ينتهى بكل رجل منهم إلى منزلته التي أعدت له. (٢٦) وقد روى هذا الأثر ابن أبي حاتم بسنده، عن وهب بن منبه، وزاد : فانظروا إلى موهوب ربكم الذي وهب لكم، فإذا هو بقباب في الرفيق الأعلى، وغرف مبنية من الدر والمرجان، وأبوابها من ذهب، وسررها من ياقوت، وفرشها من سندس وإستبرق، ومنابرها من نور، يفور من أبوابها وعراصها نور مثل شعاع الشمس عنده مثل الكوكب الدري(٢٧) في النهار المضيء، وإذا بقصور شامخة في أعلى عليين من الياقوت يزهو نورها، فلولا أنه مُسَخر، إذًا لالتمع الأبصارَ، فما كان من تلك القصور من الياقوت [ الأبيض، فهو مفروش بالحرير(٢٨) الأبيض، وما كان منها من الياقوت الأحمر فهو مفروش بالعبقري الأحمر، وما كان منها من الياقوت الأخضر ](٢٩) فهو مفروش بالسندس الأخضر، وما كان منها من الياقوت الأصفر، فهو مفروش بالأرجوان الأصفر منزه(٣٠) بالزمرد الأخضر، والذهب الأحمر، والفضة البيضاء، قوائمها وأركانها من الجوهر، وشُرُفها قباب من لؤلؤ، وبروجها غُرَف من المرجان. فلما انصرفوا إلى ما أعطاهم ربهم، قُرّبت لهم براذين من ياقوت أبيض، منفوخ فيها الروح، تَجنَبها الولدان المخلدون بيد كل وليد منهم حكمة بِرْذَون من تلك البراذين، ولجمها وأعنتها من فضة بيضاء، منظومة بالدر والياقوت، سُرُوجها سُرُرٌ موضونة، مفروشة بالسندس والإستبرق. فانطلقت بهم تلك البراذين تَزَف بهم ببطن(٣١) رياض الجنة. فلما انتهوا إلى منازلهم، وجدوا الملائكة قُعُودًا على منابر من نور، ينتظرونهم ليزوروهم ويصافحوهم ويهنئوهم كرامَةَ ربهم. فلما دخلوا قصورهم وجدوا فيها جميع ما تَطَاول به عليهم(٣٢) وما سألوا وتمنوا، وإذا على باب كلّ قصر من تلك القصور أربعة جنان، [ جنتان ](٣٣) ذواتا أفنان، وجنتان مُدْهامتان، وفيهما عينان نضاختان، وفيهما من كل فاكهة زوجان، وحور مقصورات في الخيام، فلما تَبَيَّنُوا(٣٤) منازلهم واستقروا قرارهم قال لهم ربهم : هل وجدتم ما وعدتكم(٣٥) حقا ؟ قالوا : نعم ورَبِّنَا. قال : هل رضيتم ثواب ربكم ؟ قالوا : ربنا، رضينا فارض عنا قال : برضاي(٣٦) عنكم حللتم داري، ونظرتم إلى وجهي، وصافحتكم ملائكتي، فهنيئًا هنيئًا لكم، ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] ليس فيه تنغيص ولا تصريد. فعند ذلك قالوا : الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، وأدخلنا(٣٧) دار المقامة من فضله، لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب، إن ربنا لغفور شكور.
وهذا سياق غريب، وأثر عجيب ولبعضه شواهد، ففي الصحيحين : أن الله تعالى يقول لذلك الرجل الذي يكون آخر أهل الجنة دخولا الجنة : تمن "، فيتمنى(٣٨) حتى إذا انتهت به الأماني يقول الله تعالى :" تمن من كذا وتمن من كذا "، يذكره، ثم يقول :" ذلك لك، وعشرة أمثاله ". (٣٩)
وفي صحيح مسلم، عن أبي ذر عن رسول الله ﷺ عن الله، عز وجل(٤٠) يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان(٤١) مسألته، ما نق
١ - في ت، أ :"غريبة"..
٢ - في ت :"ولبن وماء"..
٣ - رواه الطبري في تفسيره (١٦/٤٤٣) قال أحمد، رحمه الله :"أحاديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد فيها ضعف"..
٤ - زيادة من ت، أ..
٥ - المسند (٣/٧١)..
٦ - صحيح البخاري برقم (٦٥٥٢) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٧)..
٧ - صحيح البخاري برقم (٣٢٥١)..
٨ - في أ :"عام"..
٩ - المسند (٢/٤٨٢)..
١٠ - زيادة من أ..
١١ - المسند (٢/٤٥٥)..
١٢ - سنن الترمذي برقم (٢٥٤١) وقال الترمذي :"حديث حسن غريب" وفي بعض النسخ :"حسن صحيح غريب"..
١٣ - رواه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة برقم (١٤٦) من طريق أبي عتبة، عن إسماعيل بن عياش، به..
١٤ - تفسير الطبري (١٦/٤٣٨) ورواه ابن المبارك في الزهد برقم (٢٦٥) من طريق معمر عن الأشعث، به. وشهر بن حوشب ضعيف..
١٥ - في ت، أ :"من حسنها"..
١٦ - في ت :"الرعزى"..
١٧ - في أ :"ورفرفها"..
١٨ - في ت، أ :"لا يصيب"..
١٩ - زيادة من ت، أ، والطبري..
٢٠ - في أ :"يتنافس"..
٢١ - زيادة من ت، أ، والطبري..
٢٢ - في أ :"فيها"..
٢٣ - في ت، أ :"عبقا بهما"..
٢٤ - في أ :"صاحبه"..
٢٥ - في ت، أ :"ويعلقانه"..
٢٦ - تفسير الطبري (١٦/٤٣٩)..
٢٧ - في ت، أ :"الذي"..
٢٨ - في أ :"من الحرير"..
٢٩ - زيادة من ت، أ..
٣٠ - في أ :"مبوبة"..
٣١ - في أ :"وبطن"..
٣٢ - في أ :"عليهم ربهم"..
٣٣ - زيادة من ت، أ..
٣٤ - في ت، أ :"تبوءوا"..
٣٥ - في ت :"ما وعد ربكم"..
٣٦ - في ت :"فبرضاى"..
٣٧ - في أ :"وأحلنا"..
٣٨ - في ت :"فيمن"..
٣٩ - صحيح البخاري برقم (٦٥٧٣) وصحيح مسلم برقم (١٨٢) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد، رضي الله عنهما..
٤٠ - في ت :"عن رسول الله ﷺ، عن جبريل، عن الله عز وجل"..
٤١ - في ت :"إنسان منهم"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى