تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى : وكما أرسلناك يا محمد في هذه الأمة :﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ أي : تبلغهم رسالة الله إليهم، كذلك أرسلنا في الأمم الماضية الكافرة بالله، وقد كُذّب الرسل من قبلك، فلك بهم أسوة، وكما أوقعنا بأسنا ونقمتنا بأولئك، فليحذر هؤلاء من حلول النقم بهم، فإن تكذيبهم لك أشدّ من تكذيب غيرك من المرسلين، قال الله تعالى :﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ٦٣] وقال تعالى :﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] أي : كيف نصرناهم، وجعلنا العاقبة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة.
وقوله :﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ أي : هذه الأمة التي بعثناك فيهم يكفرون بالرحمن، لا يقرون به ؛ لأنهم كانوا يأنفون من وصف الله بالرحمن الرحيم ؛ ولهذا أنفوا يوم الحديبية أن يكتبوا " بسم الله الرحمن الرحيم " وقالوا : ما ندري ما الرحمن الرحيم. قاله قتادة، والحديث في صحيح البخاري(١) وقد قال الله تعالى :﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله ﷺ :" إن أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن(٢) -(٣).
﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أي : هذا الذي تكفرون به أنا مؤمن به، معترف مقر له بالربوبية والإلهية، هو ربي لا إله إلا هو، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي : في جميع أموري، ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ أي : إليه أرجع وأنيب، فإنه لا يستحق ذلك أحد(٤) سواه.
١ - صحيح البخاري برقم (٢٧٣١، ٢٧٣٢) عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة في قصة غزوة الحديبية..
٢ - في أ زيادة : و"عبد الرحيم"..
٣ - صحيح مسلم برقم (٢١٣٢)..
٤ - في ت :"أحد ذلك"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى