اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ فيه أوجه :
أن يكون بدلاً من " القُلوب " على حذف مضاف أي : قلوب الذين آمنوا وأن يكون بدلاً من " مَنْ أنَابَ "، وهذا على قول من لم يجعل الموصول الأول بدلاً من " مَنْ أنَابَ " وإلا كان يتوالى بدلان، وأن يكون مبتدأ، و " طُوبَى " جملة خبرية، وأن تكون خبر مبتدأ مضمر، وأن يكون منصوباً بإضمار فعل، والجملة من " طُوبى لَهُمْ " على هذين الوجهين حال مقدرة، والعامل فيها ءامَنُوا " و " عَمِلُوا :.
قوله " طُوبى لَهُم " وتاو " طُوبَى " منقلبة عن ياء، لأنها من الطيب وإنما قلبت لأجل الضمة قبلها، كموسر وموقن من اليسر واليقين واختلفوا فيها، فقيل : هي اسم مفرد مصدري، كبُشْرَى ورُجْعَى من طَابَ يطِيبُ.
وقيل : بل هي جمع طيبة، كما قالوا : كوسى في جمع كيسة، وضُوقَى في جمع ضِيقَة.
ويجوز أن يقال : طِيبى، بكسر الباء، وكذلك الكِيسَى والضِّيقَى. وهل هي اسم شجرة بعينها أو اسم للجنة بلغة الهند أو الحبشة ؟.
وجاز الابتداء ب " طُوبَى " إما لأنها علم لشيء بعينه، وإما لأنها نكرة في معنى الدعاء، كسلام عليك، وويل لك، كذا قال سيبويه.
وقال ابن مالك رحمه الله :" إنه يلتزم رفعها بالابتداء، ولا يدخل عليها نواسخه " وهذا يرد عليه : أن بعضهم جعلها في هذا الآية منصوبة بإضمار فعل، اي : وجعل لهم طوبى، وقد تأيد ذلك بقراءة عيسى الثقفي " وحُسْنَ مآبٍ " بنصب النون، قال : إنه معطوف على " طُوبَى " وأنها في موضع نصب.
قال ثعلب : و " طُوبَى " على هذا مصدر، كما قال :" سقيا ".
وخرج هذه القراءة صاحب اللوامح على النداء، كيا أسَفَى على الفوت، يعنى أن " طُوبَى " مضاف للضمير معه واللام مقحمة ؛ كقوله :[ البسيط ]
٣١٧٨. . . . . . . . . . . . . .يَا بُؤسَ لِلجَهْلِ ضَرَّاراً الأقْوامِ
وقوله :[ مجزوء الكامل ]
٣١٧٨ يَا بُؤسَ لِلحَرْبِ الَّتِيوضَعْتْ أرَاهِطَ قاستراحُوا
ولذلك سقط التنوين من " بُؤسَ : كأنه قيل : يا طيبا، أي : ما أطيبهم وأحسن مآبهم.
قال الزمخشري :" ومعنى " طُوبَى لَكَ " : أصحبت خيراً، و " طيبا " ومحلها النصب أو الرفع، كقولك : طيبا لك وطيبٌ لك، وسلاماً لك وسلام لك والقراءة ف يقوله " وحُسن مَآبٍ " بالنصب والرفع يدل على محلها، واللام في " لَهُمْ " للبيان مثلها في " سقيا لك " فهذا يدل على أنها تتصرف، ولا يلزم الرفع بالابتداء.
وقرأ مكوزوة الأعرابي :" طِيبَى " بكسر الطاء لتسليم الياء، نحو : بيض ومعيشة.
وقرىء :" وحُسْنَ مَآبٌ " بفتح النون ورفع " مآبٌ " على أنه فعل ماض، أصله حَسُنَ فنقلت ضمة العين إلى الفاء قصداً للمدح، كقوله : حسن ذا أدب، و " مَآبُ " فاعله.

فصل


قال ابن عباس رضي الله عنهما : طوبى، فرح لهم وقرة عين.
وقال عكرمة : نعم ما لهم. وقال قتادة : حسنى لهم.
وقال معمر عن قتادة : هذه كلمة عربية، يقول الرجل : طوبى لك، أي : أصبت خيراً.
وقال إبراهيم رحمه الله : خير لهم وكرامة. وقال الفراء : وفيه لغتان : تقول العرب : طوباك، وطوبى لك، أي لهم الطيب " وحُسْنَ مَآبٍ " أي : حسن المنقلب.
وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس :" طُوبَى : اسم الجنة بالحبشية.
وقال الربيع : البستان بلغة الهند. وقال الزجاج : العيش الطيب لهم وروي عن أبي أمامة وأبي هريرة وأبي الدرجاء قالوا : طوبى شجرة في الجنة تظل الجنان كلها وقيل فيها غير ذلك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى