المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
و ﴿الذين﴾ الثاني ابتداء وخبره :﴿طوبى لهم﴾ ويصح أن يكون ﴿الذين﴾ بدلاً من الأول. و ﴿طوبى﴾ ابتداء و ﴿لهم﴾ خبره. و ﴿طوبى﴾ اسم، يدل على ذلك كونه ابتداء. وهي فعلى من الطيب في قول بعضهم، وذهب سيبويه بها مذهب الدعاء وقال : هي في موضع رفع، ويدل على ذلك رفع ﴿وحسن﴾(١). وقال ثعلب :﴿طوبى﴾ مصدر. وقرىء «وحسنَ بالنصب ف ﴿طوبى﴾ على هذا مصدر كما قالوا : سقياً لك، ونظيره من المصادر الرجعى والعقبى. قال ابن سيده : والطوبى جمع طيبة عن كراع. ونظيره كوسى في جمع كيسة وضوفى في جمع ضيفة.
قال القاضي أبو محمد : والذي قرأ :» وحسنَ «بالنصب هو يحيى بن يعمر وابن أبي عبلة واختلف في معنى ﴿طوبى﴾ فقيل : خير لهم، وقال عكرمة : معناه نعم ما لهم، وقال الضحاك : معناه : غبطة لهم. وقال ابن عباس :﴿طوبى﴾ : اسم الجنة بالحبشية، وقال سعيد بن مسجوع : اسم الجنة ﴿طوبى﴾ بالهندية، وقيل ﴿طوبى﴾ : اسم شجرة في الجنة - وبهذا تواترت الأحاديث قال رسول الله ﷺ :«طوبى : شجرة في الجنة، يسير الراكب المجدّ في ظلها مائة عام لا يقطعها، اقرؤوا إن شئتم ﴿وظل ممدود﴾(٢) [الواقعة: ٣٠] ». وحكى الطبري عن أبي هريرة وعن مغيث بن سميّ وعتبة بن عبد يرفعه أخباراً مقتضاها : أن هذه الشجرة ليس دار في الجنة إلا وفيها من أغصانها، وأنها تثمر بثياب أهل الجنة، وأنه يخرج منها الخيل بسروجها ولجمها ونحو هذا مما لم يثبت سنده.
و » المآب « : المرجع من آب يؤوب. ويقال في ﴿طوبى﴾ طيبى.
١ وكما يقال في الكلام: "ويل لعمرو"، وإنما أوثر الرفع في "طوبى" لحسن الإضافة فيه بغير لام، وذلك أنه يقال: طوباك، كما يقال: ويلك وويبك، ولولا حسن الإضافة فيه بغير لام لكان النصب فيه أحسن وأفصح، كما أن النصب في قولهم: "تعسا لزيد وبعدا له وسحقا" أحسن، إذ كانت الإضافة فيه بغير لام لا تحسن..
٢ قال في "فتح القدير": ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس رضي الله عنه... وساق الحديث. والأحاديث متواترة في أن (طوبى) شجرة في الجنة، لكن بعض الروايات تريد أخبارا قال عنها ابن عطية: "إنها مما لا يثبت سندها". وقوله تعالى: ﴿وظل ممدود﴾ هو الآية (٣٠) من سورة (الواقعة)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى