المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها﴾ الآية، لما تضمن قوله :﴿ولكن أكثر الناس لا يؤمنون﴾ توبيخ الكفرة، عقب ذلك بذكر الله الذي ينبغي أن يوقن به، ويذكر الأدلة الداعية إلى الإيمان به.
والضمير في قوله :﴿ترونها﴾ قالت فرقة : هو عائد على ﴿السماوات﴾. ف ﴿ترونها﴾ - على هذا - في موضع الحال، وقال جمهور الناس : لا عمد للسماوات البتة، وقالت فرقة : الضمير عائد على العمد، ف ﴿ترونها﴾ - على هذا - صفة للعمد، وقالت هذه الفرقة : للسماوات عمد غير مرئية - قاله مجاهد وقتادة - وقال ابن عباس : وما يدريك أنها بعمد لا ترى ؟ وحكى بعضهم : أن العمد جبل قاف المحيط بالأرض، والسماء عليها كالقبة.
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله ضعيف، والحق أن لا «عمد » جملة، إذ العمد يحتاج إلى العمد ويتسلسل الأمر، فلا بد من وقوفه على القدرة، وهذا هو الظاهر من قوله تعالى :﴿ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه﴾(١) [الحج: ٦٥] ونحو هذا من الآيات، وقال إياس بن معاوية : السماء مقببة على الأرض مثل القبة.
وفي مصحف أبيّ :«ترونه » بتذكير الضمير، و «العمد » : اسم جمع عمود، والباب في جمعه :«عمد » - بضم الحروف الثلاثة كرسول ورسل، وشهاب وشهب وغيره، ومن هذه الكلمة قول النابغة :[ البسيط ]
وخيس الجن إني قد أذنت لهميبنون تدمر بالصفّاح والعمد(٢)
وقال الطبري :«العَمد » - بفتح العين - جمع عمود، كما جمع الأديم أدماً.
قال القاضي أبو محمد : وليس كما قال، وفي كتاب سيبويه : إن الأدم اسم جمع، وكذلك نص اللغويون على العمد، ولكن أبا عبيدة ذكر الأمر غير متيقن فاتبعه الطبري.
وقرأ يحيى بن وثاب «بغير عُمُد » بضم العين والميم.
وقوله :﴿ثم﴾ هي - هنا - لعطف الجمل لا للترتيب، لأن الاستواء على العرش قبل «رفع السماوات »، ففي الصحيح عن النبي ﷺ : أنه قال :«كان الله ولم يكن شيء قبله. وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض »(٣).
وقد تقدم القول في كلام الناس في «الاستواء »(٤)، واختصاره : أن أبا المعالي رجح أنه ﴿استوى﴾ بقهره وغلبته، وقال القاضي ابن الطيب وغيره :﴿استوى﴾ - في هذا الموضع - بمعنى استولى، والاستيلاء قد يكون دون قهر. فهذا فرق ما بين القولين، وقال سفيان : فعل فعلاً سماه استواء. وقال الفراء :﴿استوى﴾ - في هذا الموضع - كما تقول العرب : فعل زيد كذا ثم استوى إلى يكلمني، بمعنى أقبل وقصد. وحكي لي عن أبي الفضل بن النحوي أنه قال :﴿العرش﴾ - في هذا الموضع - مصدر عرش، مكانه أراد جميع المخلوقات، وذكر أبو منصور عن الخليل : أن العرش : الملك، وهذا يؤيد منزع أبي الفضل بن النحوي إذ قال : العرش مصدر، وهذا خلاف ما مشى عليه الناس من أن العرش هو أعظم المخلوقات وهو الشخص الذي كان على الماء والذي بين يديه الكرسي ؛ وأيضاً فينبغي النظر على أبي الفضل في معنى الاستواء قريباً مما هو على قول الجميع. وفي البخاري عن مجاهد أنه قال : المعنى : علا على العرش.
قال القاضي أبو محمد : وكذلك هي عبارة الطبري(٥)، والنظر الصحيح يدفع هذه العبارة.
وقوله :﴿وسخر﴾ تنبيه على القدرة، و ﴿الشمس والقمر﴾ في ضمن ذكرهما ذكر الكواكب - وكذلك قال :﴿كل يجري﴾ أي كل ما هو في معنى الشمس والقمر من التسخير، و ﴿كل﴾ لفظة تقتضي الإضافة ظاهرة أو مقدرة، و «الأجل المسمى » هو انقضاء الدنيا وفساد هذه البنية، وقيل : يريد بقوله :﴿لأجل مسمى﴾ الحدود التي لا تتحداها هذه المخلوقات أن تجري على رسوم معلومة(٦).
وقوله :﴿يدبر﴾ بمعنى : يبرم - وينفذ - وعبر بالتدبير تقريباً لأفهام الناس، إذ التدبير إنما هو النظر في أدبار الأمور وعواقبها، وذلك من صفة البشر، و ﴿الأمر﴾ عام في جميع الأمور وما ينقضي في كل أوان في السماوات والأرضين وقال مجاهد :﴿يدبر الأمر﴾ معناه : يقضيه وحده.
وقرأ الجمهور :«يفصل » وقرأ الحسن بنون العظمة، ورواها الخفاف وعبد الوهاب عن أبي عمرو وهبيرة عن حفص، قال المهدوي : ولم يختلف في ﴿يدبر﴾، وقال أبو عمرو الداني : إن الحسن قرأ «نفصل » و «ندبر » بالنون فيهما، والنظر يقتضي أن قوله :﴿يفصل﴾ ليس على حد قوله :﴿يدبر﴾ من تعديد الآيات بل لما تعددت الآيات وفي جملتها يدبر الأمر، أخبر أنه يفصلها لعل الكفرة يوقنون بالبعث، و ﴿الآيات﴾ هنا إشارة إلى ما ذكر في الآية وبعدها.
١ من الآية (٦٥) من سورة (الحج)..
٢ ويروى: وخيس، بمعنى: ذلل، وتدمر: بلد بالشام بناها سيدنا سليمان عليه السلام، والصفاح: حجارة عراض رقاق. والعمد: جمع عمود..
٣ أخرجه البخاري في كتاب (بدء الخلق)، والترمذي في التفسير، والإمام أحمد في مسنده (٢ – ٣١٢، ٥٠١) و (٤ـ٤٣١)، ولفظه كما جاء في البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: (دخلت على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب، فأتاه ناس من تميم، فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم، قالوا: قد بشرتنا فأعطنا، مرتين، ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن، فقال: أقبلوا البشرى يأهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم، قالوا: قد قبلنا يا رسول الله، قالوا: جئناك نسألك عن هذا الأمر، قال: كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض، فنادى مناد: ذهبت ناقتك يا ابن الحصين، فانطلقت فإذا هي يقطع دونها السراب، فوالله لوددت أني كنت تركتها..
٤ عند تفسير قوله تعالى في الآية (٥٤) من سورة الأعراف: ﴿إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش﴾..
٥ في القرطبي :"وحكى أبو عمر بن عبد البر عن أبي عبيدة في قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ قال: علا، وقال الشاعر:
فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة وقد حلق النجم اليماني فاستوى
أي: علا وارتفع". وعلو الله تعالى عبارة عن علو مجده وصفاته وملكوته، أي: ليس فوقه فيما يجب له من معاني الجلال أحد..

٦ هذا رأي ابن عباس، نقل في القرطبي عنه قوله: "أراد بالأجل المسمى درجاتهما ومنازلهما التي ينتهيان إليها لا يتجاوزانها"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى