تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( وفي الأرض قطع متجاورات ) فيه قولان : أحدهما : أن فيه حذفا ؛ فكأنه قال :" وفي الأرض قطع متجاورات وغير متجاورات، وهذا مثل قوله تعالى :( وسرابيل تقيكم الحر ) (١) يعني : وسرابيل تقيكم الحر والبرد.
والقول الثاني : أنه ليس في الآية حذف، وهو صحيح المعنى، وفي المتجاورات قولان : أحدهما : أن معناه أنها متجاورة في الظاهر مختلفة في المعنى، هذه سبخة وهذه عذبة، وهذه قليلة الريع، وهذه كثيرة الريع، وهذه مزرعة، وهذه مغرسة، وهذه لا مزرعة ولا مغرسة.
والقول الثاني : أن معناه : هذه عامرة، وهذه غامرة، وهذه صحاري وبراري، وهذه جبال وأودية، فعلى هذا إذا قدرنا في الآية متجاورات وغير متجاورات، فالمتجاورات هي الأرض العامرة المتصل بعضها ببعض، وغير المتجاورات هي الأرض الخربة التي فيها الأودية والدكادك.
وقوله :( وجنات من أعناب ) يعني : بساتين من أعناب. وقوله :( وزرع ونخيل ) معلوم المعنى. وقوله :( صنوان وغير صنوان ) قرىء :" صُنوان " بالضم : والمعروف " صِنوان " بالكسر، وفي الآثار المسندة عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- أنه قال : الصنوان هو النخل المجتمع، وغير الصنوان هو المتفرق، والمعروف في اللغة أن الصنوان هي النخلات أصلها واحد، وغير صنوان هي النخلة الواحدة بأصلها.
وقوله :( يسقى بماء واحد ) الماء جسم رقيق مائع يشرب، به حياة كل نام، قال الله تعالى :( وجعلنا من الماء كل شيء حي ) (٢) وفي الآية رد على أصحاب الطبيعة، فإن الماء واحد، والهواء واحد، والتراب واحد، والحرارة واحدة، والثمار مختلفة في اللون والطعم، وقلة الريع وكثرة الريع، والطبيعة واحدة يستحيل أن توجب شيئين مختلفين ؛ فدل هذا أن الجميع من الله تعالى.
في جامع أبي عيسى الترمذي برواية أبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله :( ونفضل بعضها على بعض في الأكل ) قال :«هذا حلو وهذا حامض، وهذا دقل وهذا فارسي ».
وقوله :( إن في ذلك لآيات ) يعني : الدلالات ( لقوم يعقلون ) يفهمون. وأنشدوا في الصنوان :
العلم والحلم خُلتا كرمللمرء زين إذا هما اجتمعا
صنوان لا يستتم حسنهماإلا بجمع ذا وذاك معا
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال :«عم الرجل صنو أبيه »(٣). معناه : أنه وأبوه من أصل واحد.
١ - النحل: ٨١..
٢ - الأنبياء: ٣٠..
٣ - رواه مسلم (٧/٧٩ رقم ٩٨٣)، وأبو داود (٢/١١٥ رقم ١٦٢٣، وأحمد (٢/٣٢٢) وأصل الحديث بدون هذه اللفظة في البخاري (٣/٣٨٨)، والنسائي (٥/٣٣ رقم ٢٤٦٤) كلهم من حديث أبي هريرة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى