التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وكعادة القرآن الكريم فى قرن أحوال الأخيار، بأحوال الأشرار، أو العكس : جاء الحديث عما أعده - سبحانه - للمتقين من جزيل الثواب، بعد الحديث عما سينزل بالمجرمين من عقاب فقال - تعالى - :﴿وَلِمَنْ خَافَ...﴾.
قال الآلوسى : قوله - تعالى - :﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ..﴾ شروع فى تعديد الآلاء التى تفاض فى الآخرة على المتقين، بعد بيان سوء عاقبة المكذبين.
و ﴿مَقَامَ﴾ مصدر ميمى بمعنى القيام مضاف إلى الفاعل. أى : ولمن خاف قيام ربه عليه وكونه مراقبا له، ومهيمنا عليه فالقيام هنا مثله فى قوله - تعالى - :﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ..﴾ أو هو اسم مكان. والمراد به مكان وقوف الخلق فى يوم القيامة للحساب.. إذ الخلق جميعا قائمون له - تعالى - كما فى قوله - سبحانه - :﴿يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبِّ العالمين﴾ والمعنى : ولكل من خاف القيام بين يدى ربه للحساب، وخشى هيمنته - سبحانه - عليه، ومجازاته له... لك من خاف ذلك وقدم فى دنياه العمل الصالح، ﴿جَنَّتَانِ﴾ يتنقل بينهما، ليزداد سروره، وحبوره.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم قال :﴿جَنَّتَانِ﴾ ؟ قلت الخطاب للثقلين، فكأنه قيل لكل حائفين منكما جنتان. جنة للخائف الإنسى، وجنة للخائف الجنى.
ويجوز أن يقال : جنة لفعل الطاعات، وجنة لترك المعاصة، لأن التكليف دائر عليها، وأن يقال : جنة يثاب بها وأخرى تضم إليها على وجه التفضل، كقوله - تعالى - :﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى