تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٢٠ وقوله تعالى :﴿ومن آياته﴾ يحتمل آيات وحدانيته وربوبيته وحججه وآيات بعثه وإحيائه وآيات رسالة الرسل ونحوها(١).
وقوله تعالى :﴿أن خلقكم من تراب﴾ يخرج على وجوه :
أحدها : نسب خلقنا إلى التراب لأنا إنما خلقنا من أصل، خلق ذلك الأصل من التراب، وهم آدم، وإن لم تكن أنفسنا مخلوقة من تراب حقيقة كما نسب خلقنا إلى النطفة، وإن لم تخلق أنفسنا كما هي من النطفة. لكنه أضاف ذلك، ونسبه إلى النطفة لما هي أصل ما خلقنا منها.
والثاني : نسبنا إلى التراب لما جعل أغذيتنا وما به قوام أنفسنا وأبداننا في الخارج من التراب. فإنما هو إخبار بما به قوام أنفسنا وأبداننا، وإن لم نخلق من التراب من الأصل. فيخبر، والله أعلم، أنكم لا تتصورون خلق الجسم إن لم تشاهدوا تلك الطينة التي منها تكون الأجسام بعد مشاهدة طينتها ومعاينتكم إياها، ورأيتم القدرة له على خلقها قبل أن تشاهدوا طينتها.
والثالث : نسب خلقنا إلى التراب، وهو آدم على ما ذكرنا. إلا أن قوله :﴿خلقكم﴾ أي قدركم من ذلك الأصل. والتخليق هو التقدير في اللغة. وذلك جائز في اللغة ؛ وإنما قدرنا على تقدير ذلك الأصل. وذلك جائز : نسبتنا وإضافتنا إلى التراب، إن صح ما ذكر في بعض الأخبار ؛ ذكر أن ملكا يأتي بكف من تراب، فيذره في تلك النطفة في رحم المرأة، فيخلق منه حينئذ الولد.
فإن صح هذا فيكون خلق جميع الناس، وأصلهم من تراب.
وقوله تعالى :﴿ثم إذا أنتم بشر تنتشرون﴾ أي ثم إذا ذرية من بعد بشر تنبسطون كقوله تعالى :﴿وينشر رحمته﴾ [الشورى: ٢٨] أي يبسط. أو ﴿تنتشرون﴾ أي تتفرقون في حوائجكم في طلب أغذيتكم وما به قوام أنفسكم، والله أعلم.
١ في الأصل وم: ونحوه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى