البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿ومن آياته يريكم البرق خوفاً﴾ : إما أن يتعلق من آياته بيريكم، فيكون في موضع نصب، ومن لابتداء الغاية، أو يكون يريكم على إضمار أن، كما قال :
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى. . .
برفع أحضر، والتقدير أن أحضر، فلما حذف أن، ارتفع الفعل، وليس هذا من المواضع التي يحذف منها أن قياساً، أو على إنزال الفعل منزلة المصدر من غير ما يسبكه له، كما قال الخليل في قول :
أريد لأنسى حبها. . .
أي أرادني لأنسى حبها، فيكون التقدير في هذين الوجهين : ومن آياته إراءته إياكم البرق، فمن آياته في موضع رفع على أنه خبر المبتدأ.
وقال الرماني : يحتمل أن يكون التقدير : ومن آياته يريكم البرق بها، وحذف لدلالة من عليها، كما قال الشاعر :
أي : فمنهما تارة أموات، ومن على هذه الأوجه الثلاثة للتبعيض.
وانتصب ﴿خوفاً وطمعاً﴾ على أنهما مصدران في موضع الحال، أي خائفين وطامعين.
وقيل : مفعول من أجله.
وقال الزجاج : وأجازه الزمخشري على تقدير إرادة خوف وطمع، فيتحد الفاعل في العامل والمحذوف، ولا يصح أن يكون العامل يريكم، لاختلاف الفاعل في العامل والمصدر.
وقال الزمخشري : المفعولون فاعلون في المعنى، لأنهم راؤون مكانه، فكأنه قيل : لجعلكم رائين البرق خوفاً وطمعاً. انتهى.
وكونه فاعلاً، قيل : همزة التعدية لا تثبت له حكمه بعدها، على أن المسألة فيها خلاف.
مذهب الجمهور : اشتراط اتحاد الفاعل، ومن النحويين من لا يشترطه.
ولو قيل : على مذهب من يشترطه.
أن التقدير : يريكم البرق فترونه خوفاً وطمعاً، فحذف العامل للدلالة، لكان إعراباً سائغاً واتحد فيها الفاعل.
وقال الضحاك : خوفاً من صواعقه، وطمعاً في مطره.
وقال قتادة : خوفاً للمسافر، وطمعاً للمقيم.
وقيل : خوفاً أن يكون خلباً، وطمعاً أن يكون ماطراً.
وقال الشاعر :
وقال ابن سلام : خوفاً من البرد أن يهلك الزرع، وطمعاً في المطر أن يحييه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وبدأ أولاً من الآيات بالنشأة الأولى، وهي خلق الإنسان من التراب، ثم كونه بشراً منتشراً، وهو خلق حي من جماد، ثم أتبعه بأن خلق له من نفسه زوجاً، وجعل بينهما تواد، وذلك خلق حي من عضو حي.
وقال :﴿لقوم يتفكرون﴾، لأن ذلك لا يدرك إلا بالفكر في تأليف بين شيئين لم يكن بينهما تعارف، ثم أتبعه بما هو مشاهد للعالم كلهم، وهو خلق السموات والأرض، واختلاف اللغات والألوان، والاختلاف من لوازم الإنسان لا يفارقه.
وقال :﴿للعالمين﴾، لأنها آية مكشوفة للعالم، ثم أتبعه بالمنام والابتغاء، وهما من الأمور المفارقة في بعض الأوقات، بخلاف اختلاف الألسنة والألوان.
وقال :﴿لقوم يسمعون﴾، لأنه لما كان من أفعال العبادة قد يتوهم أنه لا يحتاج إلى مرشد، فنبه على السماع، وجعل البال من كلام المرشد.
ولما ذكر عرضيات الأنفس اللازمة والمفارقة، ذكر عرضيات الآفاق المفارقة من إراءة البرق وإنزال المطر، وقدمها على ما هو من الأرض، وهو الإتيان والإحياء، كما قدم السموات على الأرض، وقدم البرق على الإنزال، لأنه كالمبشر يجيء بين يدي القادم.
والأعراب لا يعلمون البلاد المعشبة، إن لم يكونوا قد رأوا البروق اللائحة من جانب إلى جانب.
وقال :﴿لقوم يعقلون﴾، لأن البرق والإنزال ليس أمراً عادياً فيتوهم أنه طبيعة، إذ يقع ذلك ببلدة دون أخرى، ووقتاً دون وقت، وقوياً وضعيفاً، فهو أظهر في العقل دلالة على الفاعل المختار، فقال : هو آية لمن عقل بأن لم يتفكر تفكراً تاماً.
ثم ختم هذه الآيات بقيام السموات الأرض، وذلك من العوارض اللازمة، فإن كلاًّ من السماء والأرض لا يخرج عن مكانه، فيتعجب من وقوف الأرض وعدم نزولها، ومن علو السماء وثباتها من غير عمد.
ثم أتبع ذلك بالنشأة الأخرى، وهي الخروج من الأرض، وذكر تعالى من كل باب أمرين : من الأنفس خلقكم وخلق لكم، ومن الآفاق السماء والأرض، ومن لوازم الإنسان اختلاف الألسنة واختلاف الألوان، ومن خواصه المنام والابتغاء، ومن عوارض الآفاق البرق والمطر، ومن لوازمه قيام السماء وقيام الأرض.
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى. . .
برفع أحضر، والتقدير أن أحضر، فلما حذف أن، ارتفع الفعل، وليس هذا من المواضع التي يحذف منها أن قياساً، أو على إنزال الفعل منزلة المصدر من غير ما يسبكه له، كما قال الخليل في قول :
أريد لأنسى حبها. . .
أي أرادني لأنسى حبها، فيكون التقدير في هذين الوجهين : ومن آياته إراءته إياكم البرق، فمن آياته في موضع رفع على أنه خبر المبتدأ.
وقال الرماني : يحتمل أن يكون التقدير : ومن آياته يريكم البرق بها، وحذف لدلالة من عليها، كما قال الشاعر :
| وما الدهر إلا تارتان فمنهما | أموات وأخرى أبتغي العيش أكدح |
وانتصب ﴿خوفاً وطمعاً﴾ على أنهما مصدران في موضع الحال، أي خائفين وطامعين.
وقيل : مفعول من أجله.
وقال الزجاج : وأجازه الزمخشري على تقدير إرادة خوف وطمع، فيتحد الفاعل في العامل والمحذوف، ولا يصح أن يكون العامل يريكم، لاختلاف الفاعل في العامل والمصدر.
وقال الزمخشري : المفعولون فاعلون في المعنى، لأنهم راؤون مكانه، فكأنه قيل : لجعلكم رائين البرق خوفاً وطمعاً. انتهى.
وكونه فاعلاً، قيل : همزة التعدية لا تثبت له حكمه بعدها، على أن المسألة فيها خلاف.
مذهب الجمهور : اشتراط اتحاد الفاعل، ومن النحويين من لا يشترطه.
ولو قيل : على مذهب من يشترطه.
أن التقدير : يريكم البرق فترونه خوفاً وطمعاً، فحذف العامل للدلالة، لكان إعراباً سائغاً واتحد فيها الفاعل.
وقال الضحاك : خوفاً من صواعقه، وطمعاً في مطره.
وقال قتادة : خوفاً للمسافر، وطمعاً للمقيم.
وقيل : خوفاً أن يكون خلباً، وطمعاً أن يكون ماطراً.
وقال الشاعر :
| لا يكن برقك برقاً خلباً | إن خير البرق ما العيث معه |
وقال :﴿لقوم يتفكرون﴾، لأن ذلك لا يدرك إلا بالفكر في تأليف بين شيئين لم يكن بينهما تعارف، ثم أتبعه بما هو مشاهد للعالم كلهم، وهو خلق السموات والأرض، واختلاف اللغات والألوان، والاختلاف من لوازم الإنسان لا يفارقه.
وقال :﴿للعالمين﴾، لأنها آية مكشوفة للعالم، ثم أتبعه بالمنام والابتغاء، وهما من الأمور المفارقة في بعض الأوقات، بخلاف اختلاف الألسنة والألوان.
وقال :﴿لقوم يسمعون﴾، لأنه لما كان من أفعال العبادة قد يتوهم أنه لا يحتاج إلى مرشد، فنبه على السماع، وجعل البال من كلام المرشد.
ولما ذكر عرضيات الأنفس اللازمة والمفارقة، ذكر عرضيات الآفاق المفارقة من إراءة البرق وإنزال المطر، وقدمها على ما هو من الأرض، وهو الإتيان والإحياء، كما قدم السموات على الأرض، وقدم البرق على الإنزال، لأنه كالمبشر يجيء بين يدي القادم.
والأعراب لا يعلمون البلاد المعشبة، إن لم يكونوا قد رأوا البروق اللائحة من جانب إلى جانب.
وقال :﴿لقوم يعقلون﴾، لأن البرق والإنزال ليس أمراً عادياً فيتوهم أنه طبيعة، إذ يقع ذلك ببلدة دون أخرى، ووقتاً دون وقت، وقوياً وضعيفاً، فهو أظهر في العقل دلالة على الفاعل المختار، فقال : هو آية لمن عقل بأن لم يتفكر تفكراً تاماً.
ثم ختم هذه الآيات بقيام السموات الأرض، وذلك من العوارض اللازمة، فإن كلاًّ من السماء والأرض لا يخرج عن مكانه، فيتعجب من وقوف الأرض وعدم نزولها، ومن علو السماء وثباتها من غير عمد.
ثم أتبع ذلك بالنشأة الأخرى، وهي الخروج من الأرض، وذكر تعالى من كل باب أمرين : من الأنفس خلقكم وخلق لكم، ومن الآفاق السماء والأرض، ومن لوازم الإنسان اختلاف الألسنة واختلاف الألوان، ومن خواصه المنام والابتغاء، ومن عوارض الآفاق البرق والمطر، ومن لوازمه قيام السماء وقيام الأرض.