اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِن رِباً﴾، قرأ ابن كثير أَتَيْتُمْ مقصوراً، وقرأ الآخرون(١) بالمد أي أعْطَيْتُم ومن قصر فمعناه جِئْتم من رباً ومجيئهم ذلك على وجه الإعطاء كما تقول : أتيت خطأ، وأتيت صواباً(٢) وهو يؤول(٣) في المعنى إِلى قول من مَدَّ.
قوله :«لِيَرْبُو » العامة على الياء(٤) تحت مفتوحة، أسند الفعل لضمير «الرِّبَا » أي لِيَزْدادَ، ونافعٌ ويعقوبٌ بتاءٍ من فوق مضمومةً خطاباً للجماعة، قَالُوا وعلى الأول لامُ الكلمة، وعلى الثاني كلمةٌ، ضميرُ الغائبينَ(٥).
ذكر هذا تحريضاً يعني أنكم إذا طلب منكم واحد باثنين ( تَرْ(٦) ) غَبُونَ فيه وتُؤْثِرُونَهُ، وذلك لا يربو عند الله فاختطاف(٧) أموال الناس والزكاة تنمُو عند الله كما أخبر النبي - ﷺ - «إِنَّ الصَّدَقَةَ تَقعُ في يَدِ الرَّحْمنِ فَتَرْبُوا حَتَّى تَصِيرَ مِثْلَ الجَبَلِ »(٨) فينبغي أَن يكون إقْدَامكُمْ على الزكاة أكثرَ واختلفوا في معنى الآية قال سعيد بن جبير، ومجاهد وطاوس(٩) وقتادة والضحاك(١٠) وأكثر المفسرين : هو الرجل يعطي عبده العطيَّة لِيُثيبَ أكثر(١١) منها، فهذا جائز حلالاً، ولكن لا يثاب عليه في الفقه(١٢) فهو(١٣) معنى قوله تعالى :﴿فَلاَ يَرْبُو عِندَ الله﴾ وكان هذا حراماً على النبي - ﷺ - خاصة لقوله تعالى :﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٩] أي لا تعطِ وتطلب أكثر مما أعطيتَ، وقال النخعي : هو الرجل يعطي صديقه وقريبه ليكثر ماله، ولا يريد به وجه الله(١٤). وقال الشعبي : هو الرجل يَلْتَزِقُ بالرجل(١٥) فيجزيه(١٦) ويسافر معه فيحصل له ربح ماله التماس عونه لا لوجه الله فَلاَ يَرْبُو عند الله ؛ لأنه لم يُردْ به وَجْهَ الله ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِن زَكَاةٍ﴾ أعطيتم من صدقة تريدون وجه الله.
قوله :﴿فأولئك هُمُ المضعفون﴾ أي أصحاب الأضعاف، قال الفراء : نحو مُسْمِن(١٧) ومُعْطِشٍ أي ذي إبل سِمَانٍ وعِطَاشٍ، وتقول العرب : القوم مُهْزِلُونَ ومُسْمِنُونَ، إذا هَزِلَتْ وسَمِنَتْ(١٨)، فالمُضْعِفُ ذو الأضْعَافِ من الحسنات وقرأ «أبيّ » بفتح العين(١٩)، وجعله اسم مفعول. وقوله :( «فَأُولَئِكَ(٢٠) هُمْ » قال الزمخشري :«التفات حسن كأنه قال لملائكته وخواص خلقه ) فأولئك الذين يريدون وجه الله بصدقاتهم «هم المُضْعِفُون » والمعنى هم المُضْعِفُونَ به لأنه من ضمير يرجع إلى ( «مَا انتهى(٢١) ) يعني أن اسم الشرط مَتَى كان غير ظرف وَجَبَ عودُ ضميرٍ من الجواب عليه. وقد تقدم ذلك في البقرة عند :﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ﴾(٢٢) ثم قال :«ووجه آخر : وهو أن يكون تقديره فمُؤْتُوه فأولئك هم المضعفون، والحذف لباقي الكلام من الدليل عليه »، وهذا أسهل مأخذاً، والأول أملأ بالفائدة.
قوله :﴿الله الذي خَلَقَكُمْ﴾ يجوز في خبر الجلالة وجهان :
أظهرهما : أنه الموصول بعدها(٢٣).
والثاني : أنه الجملة(٢٤) من قوله :﴿هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَن يَفْعَلُ﴾ والموصول ( صفة )(٢٥) للجلالة، وقدر الزمخشري الرابط المبتدأ، والجملة الرافعة ( خبراً ) فقال :«من ذلكم » هو الذي ربط الجملة بالمبتدأ، لأن معناه من أفعاله. قال أبو حيان : والذي ذكره(٢٦) النحويون أن اسم الإشارة يكون رابطاً إذا أشير(٢٧) به إلى المبتدأ، وأما ذلك(٢٨) هنا فليس بإشارة إلى المبتدأ لكنه شبيه بما أجازه الفراء من الرَّبْطِ بالمعنى(٢٩) وذلك في قوله :﴿والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] قال : التقدير يَتَرَبَّصْنَ أزواجُهُمْ، فقدر الرابط(٣٠) بمضاف إلى ضمير «الذين » فحصل به الربط كذلك قدر الزمخشري «من ذلكم » من أفعاله بمضاف إلى(٣١) الضمير العائد إلى المبتدأ.
قوله :«لِيَرْبُو » العامة على الياء(٤) تحت مفتوحة، أسند الفعل لضمير «الرِّبَا » أي لِيَزْدادَ، ونافعٌ ويعقوبٌ بتاءٍ من فوق مضمومةً خطاباً للجماعة، قَالُوا وعلى الأول لامُ الكلمة، وعلى الثاني كلمةٌ، ضميرُ الغائبينَ(٥).
فصل :
ذكر هذا تحريضاً يعني أنكم إذا طلب منكم واحد باثنين ( تَرْ(٦) ) غَبُونَ فيه وتُؤْثِرُونَهُ، وذلك لا يربو عند الله فاختطاف(٧) أموال الناس والزكاة تنمُو عند الله كما أخبر النبي - ﷺ - «إِنَّ الصَّدَقَةَ تَقعُ في يَدِ الرَّحْمنِ فَتَرْبُوا حَتَّى تَصِيرَ مِثْلَ الجَبَلِ »(٨) فينبغي أَن يكون إقْدَامكُمْ على الزكاة أكثرَ واختلفوا في معنى الآية قال سعيد بن جبير، ومجاهد وطاوس(٩) وقتادة والضحاك(١٠) وأكثر المفسرين : هو الرجل يعطي عبده العطيَّة لِيُثيبَ أكثر(١١) منها، فهذا جائز حلالاً، ولكن لا يثاب عليه في الفقه(١٢) فهو(١٣) معنى قوله تعالى :﴿فَلاَ يَرْبُو عِندَ الله﴾ وكان هذا حراماً على النبي - ﷺ - خاصة لقوله تعالى :﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٩] أي لا تعطِ وتطلب أكثر مما أعطيتَ، وقال النخعي : هو الرجل يعطي صديقه وقريبه ليكثر ماله، ولا يريد به وجه الله(١٤). وقال الشعبي : هو الرجل يَلْتَزِقُ بالرجل(١٥) فيجزيه(١٦) ويسافر معه فيحصل له ربح ماله التماس عونه لا لوجه الله فَلاَ يَرْبُو عند الله ؛ لأنه لم يُردْ به وَجْهَ الله ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِن زَكَاةٍ﴾ أعطيتم من صدقة تريدون وجه الله.
قوله :﴿فأولئك هُمُ المضعفون﴾ أي أصحاب الأضعاف، قال الفراء : نحو مُسْمِن(١٧) ومُعْطِشٍ أي ذي إبل سِمَانٍ وعِطَاشٍ، وتقول العرب : القوم مُهْزِلُونَ ومُسْمِنُونَ، إذا هَزِلَتْ وسَمِنَتْ(١٨)، فالمُضْعِفُ ذو الأضْعَافِ من الحسنات وقرأ «أبيّ » بفتح العين(١٩)، وجعله اسم مفعول. وقوله :( «فَأُولَئِكَ(٢٠) هُمْ » قال الزمخشري :«التفات حسن كأنه قال لملائكته وخواص خلقه ) فأولئك الذين يريدون وجه الله بصدقاتهم «هم المُضْعِفُون » والمعنى هم المُضْعِفُونَ به لأنه من ضمير يرجع إلى ( «مَا انتهى(٢١) ) يعني أن اسم الشرط مَتَى كان غير ظرف وَجَبَ عودُ ضميرٍ من الجواب عليه. وقد تقدم ذلك في البقرة عند :﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ﴾(٢٢) ثم قال :«ووجه آخر : وهو أن يكون تقديره فمُؤْتُوه فأولئك هم المضعفون، والحذف لباقي الكلام من الدليل عليه »، وهذا أسهل مأخذاً، والأول أملأ بالفائدة.
قوله :﴿الله الذي خَلَقَكُمْ﴾ يجوز في خبر الجلالة وجهان :
أظهرهما : أنه الموصول بعدها(٢٣).
والثاني : أنه الجملة(٢٤) من قوله :﴿هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَن يَفْعَلُ﴾ والموصول ( صفة )(٢٥) للجلالة، وقدر الزمخشري الرابط المبتدأ، والجملة الرافعة ( خبراً ) فقال :«من ذلكم » هو الذي ربط الجملة بالمبتدأ، لأن معناه من أفعاله. قال أبو حيان : والذي ذكره(٢٦) النحويون أن اسم الإشارة يكون رابطاً إذا أشير(٢٧) به إلى المبتدأ، وأما ذلك(٢٨) هنا فليس بإشارة إلى المبتدأ لكنه شبيه بما أجازه الفراء من الرَّبْطِ بالمعنى(٢٩) وذلك في قوله :﴿والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] قال : التقدير يَتَرَبَّصْنَ أزواجُهُمْ، فقدر الرابط(٣٠) بمضاف إلى ضمير «الذين » فحصل به الربط كذلك قدر الزمخشري «من ذلكم » من أفعاله بمضاف إلى(٣١) الضمير العائد إلى المبتدأ.
١ القرطبي ١٤/٣٦ والبحر المحيط ٧/١٧٤ وبدون نسبة في الكشاف ٣/٢٢٣..
٢ القرطبي ١٤/٣٦..
٣ في "ب" مئول..
٤ مختصر ابن خالويه ١١٦ والسبعة ٤٠٧ والإتحاف ٣٤٨ وانظر في توجيه ذلك الكشف ٢/١٨٤ و ١٨٥ ومعاني الفراء ٢/٣٢٥ والبحر ٧/١٧٤..
٥ المراجع السابقة والدر المصون ٤/٣٢٧..
٦ هذا الجزء من الكلمة ساقط من "ب"..
٧ في "ب" في اختطاف..
٨ انظر: تفسير الفخر الرازي ٢٥/١٢٦..
٩ طاوس: هو ابن كيسان اليماني الجندي عن أبي هريرة، وعائشة وابن عباس، وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم وغيرهم وعنه: مجاهد، وعمرو بن شعيب، والزهري مات سنة ١٠٦، انظر: خلاصة الكمال ١٨١..
١٠ الضحاك بن مزاحم الهلالي أبو القاسم الخراسانيّ المفسر يروى تفسيره عن عبيد بن سليمان، صدوق، كثير الإرسال من الطبقة الخامسة مات بعد المائة، انظر: طبقات المفسرين للداودي ١/٢٢٢..
١١ القرطبي ١٤/٣٦..
١٢ في "ب" الغنيمة..
١٣ في "ب" فهذا معنى..
١٤ المرجع السابق..
١٥ السابق..
١٦ في "ب" فيخدمه..
١٧ انظر: معاني القرآن له ٢/٣٢٥..
١٨ في "ب" يهزلون ويسمنون وعبارة الفراء كما في المعاني ٢/٣٢٥ "كما تقول العرب: أصبحتم مسمنين معطشين إذا عطشت إبلهم أو سمنت"..
١٩ وهي من القراءات الشاذة، وانظر: مختصر ابن خالويه ١١٦..
٢٠ ما بين القوسين كله ساقط من "ب" وموجود بالكشاف و"أ"..
٢١ ما بين القوسين ساقط من "ب" وموجود بالكشاف وانظر: الكشاف ٣/٢٢٤..
٢٢ الآية ٩٧ من البقرة فلا يجوز: "من يقم فمحمد مكافئ"..
٢٣ في "ب" بعده..
٢٤ انظر: الكشاف ٣/٢٢٤ والقرطبي ١٤/٤٠ والبحر المحيط ٧/١٧٥ والدر المصون ٤/٣٢٨..
٢٥ ساقط من "ب"..
٢٦ انظر: البحر المحيط ٧/١٧٥..
٢٧ فيه: إذا كان أشير به..
٢٨ وفيه: "ذلكم" بالجمع..
٢٩ وفيه: وخالفه الناس وذلك الخ.....
٣٠ فيه: فقدر الضمير بمضاف..
٣١ انظر: البحر المحيط ٧/١٧٥..
٢ القرطبي ١٤/٣٦..
٣ في "ب" مئول..
٤ مختصر ابن خالويه ١١٦ والسبعة ٤٠٧ والإتحاف ٣٤٨ وانظر في توجيه ذلك الكشف ٢/١٨٤ و ١٨٥ ومعاني الفراء ٢/٣٢٥ والبحر ٧/١٧٤..
٥ المراجع السابقة والدر المصون ٤/٣٢٧..
٦ هذا الجزء من الكلمة ساقط من "ب"..
٧ في "ب" في اختطاف..
٨ انظر: تفسير الفخر الرازي ٢٥/١٢٦..
٩ طاوس: هو ابن كيسان اليماني الجندي عن أبي هريرة، وعائشة وابن عباس، وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم وغيرهم وعنه: مجاهد، وعمرو بن شعيب، والزهري مات سنة ١٠٦، انظر: خلاصة الكمال ١٨١..
١٠ الضحاك بن مزاحم الهلالي أبو القاسم الخراسانيّ المفسر يروى تفسيره عن عبيد بن سليمان، صدوق، كثير الإرسال من الطبقة الخامسة مات بعد المائة، انظر: طبقات المفسرين للداودي ١/٢٢٢..
١١ القرطبي ١٤/٣٦..
١٢ في "ب" الغنيمة..
١٣ في "ب" فهذا معنى..
١٤ المرجع السابق..
١٥ السابق..
١٦ في "ب" فيخدمه..
١٧ انظر: معاني القرآن له ٢/٣٢٥..
١٨ في "ب" يهزلون ويسمنون وعبارة الفراء كما في المعاني ٢/٣٢٥ "كما تقول العرب: أصبحتم مسمنين معطشين إذا عطشت إبلهم أو سمنت"..
١٩ وهي من القراءات الشاذة، وانظر: مختصر ابن خالويه ١١٦..
٢٠ ما بين القوسين كله ساقط من "ب" وموجود بالكشاف و"أ"..
٢١ ما بين القوسين ساقط من "ب" وموجود بالكشاف وانظر: الكشاف ٣/٢٢٤..
٢٢ الآية ٩٧ من البقرة فلا يجوز: "من يقم فمحمد مكافئ"..
٢٣ في "ب" بعده..
٢٤ انظر: الكشاف ٣/٢٢٤ والقرطبي ١٤/٤٠ والبحر المحيط ٧/١٧٥ والدر المصون ٤/٣٢٨..
٢٥ ساقط من "ب"..
٢٦ انظر: البحر المحيط ٧/١٧٥..
٢٧ فيه: إذا كان أشير به..
٢٨ وفيه: "ذلكم" بالجمع..
٢٩ وفيه: وخالفه الناس وذلك الخ.....
٣٠ فيه: فقدر الضمير بمضاف..
٣١ انظر: البحر المحيط ٧/١٧٥..