نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي

عن الكتاب
ولما كان الإنسان - لنقصه في تقيده بالجزئيات - شديد الوقوف مع العقل التجربي، وكان علمهم بأيام الماضين ووقائع الأولين كافياً لهم في العظة(١) للرجوع عن اعتقادهم، والتبرئ من عنادهم، وكانوا - لما لم يروا آثارهم رؤية اعتبار، وتأمل وادكار، عدوا ممن (٢)لم يرها، فنبه(٣) سبحانه على ذلك بالاحتجاب عنهم بحجاب العزة، أمراً له ﷺ بأن يأمرهم بالسير للنظر، فقال تأكيداً لمعنى الكلام السابق نصحاً لهم ورفقاً بهم :﴿قل﴾ أي لهؤلاء الذي لا همّ لهم إلا الدنيا، فلا(٤) يعبرون فيما ينظرون من ظاهر إلى باطن :﴿سيروا﴾ وأشار إلى استغراق ديار المهلكين كل حد(٥) ما حولهم من الجهات كما سلف فقال :﴿في الأرض﴾ فإن سيركم الماضي لكونه لم يصحبه عبرة(٦) عدم.
ولما كان المراد الانقياد(٧) إلى التوحيد، وكان قد ذكرهم بما أصابهم على نحو ما أصاب به الماضين قال :﴿فانظروا﴾ بفاء التعقيب، ولما كان ما أحله بهم(٨) في غاية الشدة، عرفهم (٩)بذلك، فساق(١٠) مساق الاستفهام تخويفاً لهم من إصابتهم بمثله فقال :﴿كيف﴾ ولما كان عذابهم مهولاً، وأمرهم شديداً وبيلاً، دل عليه بتذكير الفعل فقال :﴿كان عاقبة﴾ أي آخر أمر ﴿الذين﴾ ولما كان المراد طوائف المعذبين، وكانوا بعض من مضى، فلم يستغرقوا الزمان، بعض فقال :﴿من قبل﴾ أي من قبل أيامكم أذاقهم الله وبال أمرهم، وأوقعهم في حفائر مكرهم.
ولما كان هذا التنبيه كافياً في الاعتبار، فكان سامعه جديراً بأن يقول : قد تأملت فرأيت آثارهم عظيمة، وصنائعهم مكينة، ومع ذلك فمدنهم خاليه(١١) وبيوتهم(١٢) خاوية(١٣)، قد ضربوا بسوط العذاب، فعمهم(١٤) الخسار والتباب، فما لهم عذبوا، فأجيب بقوله :﴿كان أكثرهم مشركين﴾ فلذلك أهلكناهم ولم تغنِ عنهم كثرتهم، وأنجينا المؤمنين وما ضرتهم قلتهم.
١ من م ومد، وفي الأصل وظ: العظمة..
٢ من م ومد، وفي الأصل وظ: لم ير عاقبته..
٣ من م ومد، وفي الأصل وظ: لم ير عاقبته..
٤ في ظ: فلم..
٥ زيد من ظ ومد..
٦ من م ومد، وفي الأصل: غيره..
٧ من ظ وم ومد، وفي الأصل: بالانقياد..
٨ من ظ وم ومد، وفي الأصل: لهم..
٩ من ظ، وفي الأصل وم ومد: لك بسوقه..
١٠ من ظ، وفي الأصل وم ومد: لك بسوقه..
١١ من ظ وم ومد، وفي الأصل: خاوية..
١٢ في ظ ومد: بيوتها..
١٣ من ظ وم ومد، وفي الأصل: خالية..
١٤ من ظ وم ومد، وفي الأصل: منهم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى