البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
ولما ذكر شيئا من دلائل الأكوان، ذكر شيئا من دلائل الأنفس، فقال :
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾
قلت :" الله " : مبتدأ، والموصول : خبره.
يقول الحق جل جلاله :﴿الله﴾ الذي يستحق أن يعبد وحده هو ﴿الذي خلقكم من ضَعْف﴾ أي : ابتدأكم ضُعفاء، وجعل الضعف أساس أمركم، أو : خلقكم من أصل ضعيف، وهو النطفة ؛ كقوله :﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠]، ﴿ثم جعل من بعد ضعف قوةً﴾، يعني : حال الشباب إلى بلوغ الأشد، ﴿ثم جعل من بعد قوةٍ ضَعْفاً وشَيْبَةً﴾، يعني : حال الشيخوخة والهرم.
وقد ورد في الشيب ما يسلي عن روعة هجومه فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم :" من شاب شيبة في الإسلام ؛ كانت له نوراً يوم القيامة(١) "، ولما رأى إبراهيم عليه السلام الشيب في لحيته قال : يا رب، ما هذا ؟ قال : هذا وقار. وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام :" يا داود، إني لأنظر الشيخ الكبير، مساء وصباحاً، فأقول له : عبدي، كَبِرَ سِنُّكَ، ورق جلدك، ووهن عظمك، وحان قدومك عليّ، فاستحي مني، فإني أستحيي أن أُعذب شَيْبَةًً بالنار ". ومن المُسْتَمْلَحَات، مما يسلي عن رَوْعِ الشيب، ما أنشد القائل :
لاَ يَرُوعُكِ الشِّيبُ يَا بِنْتَعَبْدِ الله، فالشَّيبُ حُلْة وَوَقاَرُ
إِنَّمَا تَحْسُنُ الرِّيَاضُ إِذَا مَا ضَحِكَتْ في خِلاَلِهَا الأَزْهَارُ
ثم قال تعالى :﴿يخلق ما يشاء﴾ ؛ مِنْ ضعفٍ، وقوةٍ، وشباب، وشيبة، ﴿وهو العليمُ﴾ بأحوالهم، ﴿القديرُ﴾ على تدبيرهم ؛ فيصيرهم إلى ذلك. والترديد في الأحوال أبين دليل على وجود الصانع العليم القدير. وفي " الضعف " : لغتان ؛ الفتح والضم. وهو أقوى سنداً في القراءة، كما روي ابن عمر. قال : قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من ضَعف "، فأقرأني :" من ضُعْفٍ(٢) ".
الإشارة : إذا كُثف الحجاب على الروح، وكثرت همومها، أسرع لها الضعف والهرم، وإذا رقّ حجابها، وقلّت همومها ؛ قويت ونشطت بعْد هرمها، ولا شك أن توالي الهموم والأحزان يهرم، وتوالي البسط والفرح ينشط، ويرد الشباب من غير إِبَّانِهِ، والعارفون : فرحهم بالله دائم، وبسطهم لازم ؛ إذ لا تنزل بساحتهم الهموم والأحزان، وإنما تنزل بمن فقد الشهود والعيان، كما قال في الحكم.
قال القشيري :﴿خلقكم من ضعف﴾، أي : ضعف عن حال الخاصة، ثم جعل من بعد ضعف قوة ؛ بالوصول إلى شهود الوجود القديم، ثم من بعد قوة ضعفاً ؛ بالرجوع إلى المسكنة أي : في حال البقاء، قال صلى الله عليه وسلم :" اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين(٣) ". ه.
١ أخرجه الترمذي في الجهاد حديث ١٦٣٥ والنسائي في الجهاد ٦/٢٦..
٢ أخرجه أبو داود في الحروف حديث ٣٩٧٨ والترمذي في تفسير سورة ٣٠، حديث ٢٩٣٦، وأحمد في المسند ٢/٥٨ – ٥٩..
٣ تقد الحديث مع تخريجه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى