التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم قرعهم - سبحانه - للمرة الثانية على عدم اتعاظهم بأحوال السابقين من الأمم قبلهم، فقال - تعالى - :﴿أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾.
أى : اقعد مشركو مكة فى ديارهم، ولم يسيروا فى الأرض سير المتأملين المتفكرين المعتبرين فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، من الأمم الماضية، كقوم عاد وثمود، وقوم لوط.
وقوله - سبحانه - :﴿كانوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ بيان لحال لهؤلاء الأقوام السابقين ﴿وَأَثَارُواْ الأرض﴾ أى : كان أولئك السابقون أقوى من أهل مكة فى كل مجال من مجالات القوة، وكانوا أقدر منهم على حراثة الأرض، وتهيئتها للزراعة، واستخراج خيراتها من باطنها.
﴿وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ أى : حرثوا الأرض وشقوا باطنها، وعمروها عمارة أكثر من عمارة أهل مكة لها، لأن أولئك الأقوام السابقين كانوا أقوى من كفار مكة، وكانوا أكثر دارية بعمارة الأرض.
وهؤلاء الأقوال السابقون :﴿وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات﴾ أى : بالمعجزات الواضحات، وبالحجج الساطعات، ولكن هؤلاء الأقوام كذبوا رسهلم، فأهلكهم الله - تعالى - ﴿فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أى : فما كان الله - تعالى - من شأنه أن يعذبهم بدون ذنب.
﴿ولكن كانوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ حيث ارتكبوا من الكفر والمعاصى ما كان سببا فى هلاكهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى