الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿تُؤْمِنُونَ﴾ : لا محلَّ له لأنه تفسير لتجارة. ويجوز أَنْ يكونَ محلُّها الرفعَ خبراً لمبتدأ مضمرٍ أي : تلك التجارةُ تؤُمنون، والخبرُ نفسُ المبتدأ فلا حاجةَ إلى رابطٍ، وأَنْ تكونَ منصوبةَ المحلِّ بإضمارِ فعلٍ أي : أعني تؤْمنون. وجاز ذلك على تقديرِ " أَنْ " وفيه تَعَسُّفٌ. والعامَّةٌ على " تُؤْمنون " خبراً لفظاً ثابتَ النون. وعبد الله " آمِنوا " و " جاهِدوا " أمرَيْن. وزيد بن علي " تؤمنوا " و " تجاهِدوا " بحذف نونِ الرفع. فأمَّا قراءةُ العامَّة فالخبرُ بمعنى الأمرِ يَدُلُّ عليه القراءتان الشاذَّتان ؛ فإن قراءةَ زيدِ بنِ علي على حَذْفِ لام الأمر أي : لِتؤمنوا ولتجاهِدوا كقوله :
محمدُ تَفْدِ نَفْسَك كلُّ نفسٍ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله :﴿قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ﴾ [إبراهيم: ٣١] في وجهٍ أي : لِتَفْدِ، وليقيموا، ولذلك جُزِمَ الفعلُ في جوابِه في قولِه :" يَغْفِرْ " وكذلك قولُهم :" اتقى اللَّهَ امرؤ فَعَلَ خيراً يُثَبْ عليه " تقديرُه : ليتقِ اللهَ. وقال الأخفش :" إنَّ " تؤمنون " عطفُ بيان لتجارة " وهذا لا يُتَخَيَّلُ إلاَّ بتأويل أن يكونَ الأصلُ : أنْ تؤمنوا فلمَّا حَذَفَ " أن " ارتفع الفعلُ كقوله :
ألا أيُّهذا الزَّاجِريْ أَحْضُرُ الوغَى ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصل : أن أَحْضُرَ. وكأنه قيل : هل أدلُّكم على تجارة مُنْجية : إيمانٍ وجهاد. وهو معنى حسنٌ لولا ما فيه من التأويل. وعلى هذا فيجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ تجارة. وقال الفراء : هو مجزومٌ على جوابِ الاستفهام وهو قولُه :" هل أدلُّكم " واختلف الناسُ في تصحيح هذا القولِ : فبعضُهم/ غلَّطه. قال الزجاج : ليسُوا إذا دَلَّهم على ما ينفعهم يَغْفِرُ لهم، إنما يغفر لهم إذا آمنوا وجاهدوا " يعني أنه ليس مرتَّباً على مجرد الاستفهام ولا على مجرَّدِ الدلالة. وقال المهدوي :" إنما يَصِحُّ حَمْلاً على المعنى : وهو أَنْ يكونَ " يؤمنون " ويُجاهدون عطفَ بيان على قولِه :" هل أدلُّكم " كأنَّ التجارةَ لم يُدْرَ ما هي ؟ فبُيِّنَتْ بالإِيمان والجهاد، فهي هما في المعنى فكأنه قيل : هل تُؤْمنون وتجاهدون ؟ قال : فإنْ لم تقدِّر هذا التقديرَ لم يَصِحَّ ؛ لأنه يَصيرُ : إنْ دُلِلْتُمْ يَغْفِرْ لكم. والغُفْرانُ إنما يجبُ بالقَبولِ والإِيمانِ لا بالدَّلالةِ. وقال الزمخشري قريباً منه أيضاً. وقال أيضاً :" إنَّ " تُؤْمنون " استئنافٌ، كأنهم قالوا : كيف نعملُ ؟ فقال : تؤْمنون "، وقال ابن عطية :" تُؤْمنون فعلٌ مرفوعٌ، تقديرُه : ذلك أنَّه تُؤْمنون "، فجعله خبراً ل " أَنَّ "، وهي وما في حَيِّزها خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ. وهذا محمولٌ على تفسيرِ المعنى لا تفسيرِ الإِعرابِ، فإنَّه لا حاجةَ إليه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى