محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١١ من سورة الصف في ٨٧ كتابًا من كتب التفسير، وإعرابها، و٩ أقوال من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١١ من سورة الصف

٨٧ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
يقول تعالى ﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلّكُمْ على تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ ألِيمٍ﴾موجع، وذلك عذاب جهنم ثم بين لنا جلّ ثناؤه ما تلك التجارة التي تنجينا من العذاب الأليم، فقال :﴿تُؤمِنُونَ باللّهِ وَرَسُولِهِ﴾محمد ﷺ، فإن قال قائل : وكيف قيل :﴿تُؤمِنُونَ باللّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وقد قيل لهم :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا﴾بوصفهم بالإيمان ؟ فإن الجواب في ذلك نظير جوابنا في قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ بالله وقد مضى البيان عن ذلك في موضعه بما أغنى عن إعادته.
وقوله :﴿وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيل اللّهِ بأمْوَالِكُمْ وأنْفُسِكُمْ﴾ يقول تعالى ذكره : وتجاهدون في دين الله، وطريقه الذي شرعه لكم بأموالكم وأنفسكم، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾يقول : إيمانكم بالله ورسوله، وجهادكم في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم خَيْرٌ لَكُمْ من تضييع ذلك والتفريط ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾مضارّ الأشياء ومنافعها. وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله :«آمِنُوا باللّهِ » على وجه الأمر، وبيّنت التجارة من قوله :﴿هَلْ أدُلّكُمْ على تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ﴾وفسّرت بقوله :﴿تُؤمِنُونَ باللّهِ﴾ولم يقل : أن تؤمنوا، لأن العرب إذا فسرت الاسم بفعل تثبت في تفسيره أن أحيانا، وتطرحها أحيانا، فتقول للرجل : هل لك في خير تقوم بنا إلى فلان فنعوده ؟ هل لك في خير أن تقوم إلى فلان فنعوده ؟، بأن وبطرحها. ومما جاء في الوجهين على الوجهين جميعا قوله : فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ أنّا وإنا فالفتح في أنا لغة من أدخل في يقوم أن من قولهم : هل لك في خير أن تقوم، والكسر فيها لغة من يُلقي أن من تقوم ومنه قوله : فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمّرْناهُمْ وإنا دمرناهم، على ما بيّنا.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلّكُمْ على تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ. . .﴾الآية، فلولا أن الله بينها، ودلّ عليها المؤمنين، لتلهف عليها رجال أن يكونوا يعلمونها، حتى يضنوا بها وقد دلكم الله عليها، وأعلمكم إياها فقال :﴿تُؤمِنُونَ باللّهِ وَرَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بأمْوَالِكُمْ وأنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، قال : تلا قتادة :﴿هَلْ أدُلّكُمْ على تجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أليمٍ تؤمنون باللّهِ وَرَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ قال : الحمد لله الذي بينها.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
، يعني ببيان الحقّ ودين الحقّ يعني: وبدين الله، وهو الإسلام.
وقوله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) يقول: ليظهر دينه الحقّ الذي أرسل به رسوله على كلّ دين سواه، وذلك عند نزول عيسى ابن مريم، وحين تصير الملة واحدة، فلا يكون دين غير الإسلام.
كما حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أَبي المقدام ثابت بن هرمز، عن أَبي هريرة (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) قال: خروج عيسى ابن مريم، وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في معنى قوله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) والصواب عندنا من القول في ذلك بعلله فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وقد حدثني عبد الحميد بن جعفر، قال: ثنا الأسود بن العلاء، عن أَبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: إن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كان يقول: "لا يَذْهَبُ اللَّيْلُ والنَّهَارُ حَتى تُعْبَدَ اللاتُ وَالعُزَّى"، فقالت عائشة: والله يا رسول الله إن كنت لأظنّ حين أنزل الله (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)... الآية، أن ذلك سيكون تامًا، فقال: "إنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذلِكَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا طَيِّبَةً، فَيَتَوَّفَّى مَنْ كاَنَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مَنْ خَيْرٍ، فَيَبْقَى مَنْ لا خَيْرَ فِيهِ، فَيْرجِعُونَ إلَى دينَ آبَائِهِمْ".
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾
يقول تعالى ذكره: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ
مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) موجع، وذلك عذاب جهنم؛ ثم بين لنا جلّ ثناؤه ما تلك التجارة التي تنجينا من العذاب الأليم، فقال: (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
فإن قال قائل: وكيف قيل: (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)، وقد قيل لهم: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) بوصفهم بالإيمان؟ فإن الجواب في ذلك نظير جوابنا في قوله: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ) وقد مضى البيان عن ذلك في موضعه بما أغنى عن إعادته.
وقوله: (وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) يقول تعالى ذكره: وتجاهدون في دين الله، وطريقه الذي شرعه لكم بأموالكم وأنفسكم (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ) يقول: إيمانكم بالله ورسوله، وجهادكم في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم (خَيْرٌ لَكُمْ) من تضييع ذلك والتفريط (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) مضارّ الأشياء ومنافعها. وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله (آمِنُوا بِاللهِ) على وجه الأمر، وبيَّنت التجارة من قوله: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ) وفسِّرت بقوله: (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ولم يقل: أن تؤمنوا، لأن العرب إذا فسرت الاسم بفعل تثبت في تفسيره أن أحيانًا، وتطرحها أحيانًا، فتقول للرجل: هل لك في خير تقوم بنا إلى فلان فنعوده؟ هل لك في خير أن تقوم إلى فلان فنعوده؟، بأن وبطرحها. ومما جاء في الوجهين على الوجهين جميعًا قوله: (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا) وإنا؛ فالفتح في أن لغة من أدخل في يقوم أن من قولهم: هل لك في خير أن تقوم، والكسر فيها لغة من يُلقي أن من تقوم؛ ومنه قوله: (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ) وإنا دمرناهم، على ما بيَّنا.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ).. الآية، فلولا أن الله بينها، ودلّ عليها المؤمنين، لتلهف عليها رجال أن يكونوا يعلمونها، حتى يضنوا

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
له حين بلغه موته.
قد رُوِيَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ عَنْ جَعْفَرٍ وَأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَمَوْضِعُ ذَلِكَ كِتَابُ السِّيرَةِ وَالْمَقْصِدُ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ لَمْ تَزَلْ تَنْعَتُهُ وَتَحْكِيهِ فِي كُتُبِهَا عَلَى أُمَمِهَا وَتَأْمُرُهُمْ بِاتِّبَاعِهِ وَنَصْرِهِ وَمُوَازَرَتِهِ إِذَا بُعِثَ، وَكَانَ مَا اشْتَهَرَ الْأَمْرُ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَالِدِ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَهُ حِينَ دَعَا لِأَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ، وَكَذَا عَلَى لِسَانِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَلِهَذَا قَالُوا: أَخْبِرْنَا عَنْ بَدْءِ أَمْرِكَ يَعْنِي فِي الْأَرْضِ قَالَ: «دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَبِشَارَةُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ» أَيْ ظَهَرَ فِي أَهْلِ مَكَّةَ أَثَرُ ذَلِكَ، والإرهاص فذكره صلوات الله وسلامه عليه.
وقوله تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَابْنُ جَرِيرٍ «١» فَلَمَّا جاءَهُمْ أَحْمَدُ أَيِ الْمُبَشَّرُ بِهِ فِي الْأَعْصَارِ الْمُتَقَادِمَةِ الْمُنَوَّهُ بِذِكْرِهِ فِي الْقُرُونِ السَّالِفَةِ. لَمَّا ظَهَرَ أَمْرُهُ وَجَاءَ بِالْبَيِّنَاتِ، قَالَ الْكَفَرَةُ وَالْمُخَالِفُونَ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ.

[سورة الصف (٦١) : الآيات ٧ الى ٩]

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)
يَقُولُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ أَيْ:
لَا أَحَدَ أَظْلَمُ مِمَّنْ يَفْتَرِي الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ وَيَجْعَلُ لَهُ أَنْدَادًا وَشُرَكَاءَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ، وَلِهَذَا قَالَ تعالى: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ثُمَّ قَالَ تعالى: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ أَيْ يُحَاوِلُونَ أَنْ يَرُدُّوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَمَثَلُهُمْ فِي ذَلِكَ كَمَثَلِ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُطْفِئَ شُعَاعَ الشَّمْسِ بِفِيهِ، وَكَمَا أن هذا مستحيل كذاك ذلك مستحيل، ولهذا قال تعالى: وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

[سورة الصف (٦١) : الآيات ١٠ الى ١٣]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)
تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ الله عنهم أرادوا أن يسألوا رسول الله ﷺ عن أَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِيَفْعَلُوهُ، فأنزل الله تعالى هَذِهِ السُّورَةَ وَمِنْ جُمْلَتِهَا هَذِهِ الْآيَةُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ثم فسر
(١) تفسير الطبري ١٢/ ٨٢.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
وأتى بأداة العرض الدالة على أن هذا أمر يرغب فيه كل متبصر، ويسمو إليه كل لبيب، فكأنه قيل : ما هذه التجارة التي هذا قدرها ؟ فقال ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
ومن المعلوم أن الإيمان التام هو التصديق الجازم بما أمر الله بالتصديق به، المستلزم لأعمال الجوارح، ومن أجل أعمال الجوارح الجهاد في سبيل الله(١)  فلهذا قال :﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ بأن تبذلوا نفوسكم ومهجكم، لمصادمة أعداء الإسلام، والقصد نصر دين الله وإعلاء كلمته، وتنفقون ما تيسر من أموالكم في ذلك المطلوب، فإن ذلك، ولو(٢)  كان كريها للنفوس شاقا عليها، فإنه ﴿خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فإن فيه الخير الدنيوي، من النصر على الأعداء، والعز المنافي للذل والرزق الواسع، وسعة الصدر وانشراحه. وفي الآخرة الفوز(٣)  بثواب الله والنجاة من عقابه، ولهذا ذكر الجزاء في الآخرة، فقال :
١ - في ب: التي من أجلها الجهاد في سبيله..
٢ - في ب: وإن كان..
٣ - في ب: والخير الأخروي بالفوز..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٠-١٤} ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾.
هذه وصية ودلالة وإرشاد من أرحم الراحمين لعباده المؤمنين، لأعظم تجارة، وأجل مطلوب، وأعلى مرغوب، يحصل بها النجاة من العذاب الأليم، والفوز بالنعيم المقيم.
وأتى بأداة العرض الدالة على أن هذا أمر يرغب فيه كل متبصر، ويسمو إليه كل لبيب، فكأنه قيل: ما هذه التجارة التي هذا قدرها؟ فقال ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
ومن المعلوم أن الإيمان التام هو التصديق الجازم بما أمر الله بالتصديق به، المستلزم لأعمال الجوارح، ومن أجل أعمال الجوارح الجهاد في سبيل الله (١) فلهذا قال: ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ بأن تبذلوا نفوسكم ومهجكم، لمصادمة أعداء الإسلام، والقصد نصر دين الله وإعلاء كلمته، وتنفقون ما تيسر من أموالكم في ذلك المطلوب، فإن ذلك، ولو (٢) كان كريها للنفوس شاقا عليها، فإنه ﴿خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فإن فيه الخير الدنيوي، من النصر على الأعداء، والعز المنافي للذل والرزق الواسع، وسعة الصدر وانشراحه.
وفي الآخرة الفوز (٣) بثواب الله والنجاة من عقابه، ولهذا ذكر الجزاء في الآخرة، فقال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ وهذا شامل للصغائر والكبائر، فإن الإيمان بالله والجهاد في سبيله، مكفر للذنوب، ولو كانت كبائر.
﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ أي: من تحت مساكنها [وقصورها] وغرفها وأشجارها، أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، ولهم فيها من كل الثمرات، ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: جمعت كل طيب، من علو وارتفاع، وحسن بناء وزخرفة، حتى إن أهل الغرف من أهل -[٨٦١]- عليين، يتراءاهم أهل الجنة كما يتراءى الكوكب الدري في الأفق الشرقي أو الغربي، وحتى إن بناء الجنة بعضه من لبن ذهب [وبعضه من] لبن فضة، وخيامها من اللؤلؤ والمرجان، وبعض المنازل من الزمرد والجواهر الملونة بأحسن الألوان، حتى إنها من صفائها يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، وفيها من الطيب والحسن ما لا يأتي عليه وصف الواصفين، ولا خطر على قلب أحد من العالمين، لا يمكن أن يدركوه حتى يروه، ويتمتعوا بحسنه وتقر أعينهم به، ففي تلك الحالة، لولا أن الله خلق أهل الجنة، وأنشأهم نشأة كاملة لا تقبل العدم، لأوشك أن يموتوا من الفرح، فسبحان من لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني عليه عباده (٤) وتبارك الجليل الجميل، الذي أنشأ دار النعيم، وجعل فيها من الجلال والجمال ما يبهر عقول الخلق ويأخذ بأفئدتهم.
وتعالى من له الحكمة التامة، التي من جملتها، أنه الله لو أرى الخلائق الجنة حين خلقها (٥) ونظروا إلى ما فيها من النعيم لما تخلف عنها أحد، ولما هناهم العيش في هذه الدار المنغصة، المشوب نعيمها بألمها، وسرورها (٦) بترحها.
وسميت الجنة جنة عدن، لأن أهلها مقيمون فيها، لا يخرجون منها أبدا، ولا يبغون عنها حولا ذلك الثواب الجزيل، والأجر الجميل، الفوز العظيم، الذي لا فوز مثله، فهذا الثواب الأخروي.
وأما الثواب الدنيوي لهذه التجارة، فذكره بقوله: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا﴾ أي: ويحصل لكم خصلة أخرى تحبونها وهي: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [لكم] على الأعداء، يحصل به العز والفرح، ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ تتسع به دائرة الإسلام، ويحصل به الرزق الواسع، فهذا جزاء المؤمنين المجاهدين، وأما المؤمنون من غير أهل الجهاد، [إذا قام غيرهم بالجهاد] (٧) فلم يؤيسهم الله تعالى من فضله وإحسانه، بل قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بالثواب العاجل والآجل، كل على حسب إيمانه، وإن كانوا لا يبلغون مبلغ المجاهدين في سبيل الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله " (٨)
ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ [أي:] بالأقوال والأفعال، وذلك بالقيام بدين الله، والحرص على إقامته (٩) على الغير، وجهاد من عانده ونابذه، بالأبدان والأموال، ومن نصر الباطل بما يزعمه من العلم ورد الحق، بدحض حجته، وإقامة الحجة عليه، والتحذير منه.
ومن نصر دين الله، تعلم كتاب الله وسنة رسوله، والحث على ذلك، [والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر].
ثم هيج الله المؤمنين بالاقتداء بمن قبلهم من الصالحين بقوله: ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي: قال لهم عارضا ومنهضا (١٠) من يعاونني ويقوم معي في نصرتي لدين الله، ويدخل مدخلي، ويخرج مخرجي؟
فابتدر الحواريون، فقالوا: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ فمضى عيسى عليه السلام على أمر الله ونصر دينه، هو ومن معه من الحواريين، ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بسبب دعوة عيسى والحواريين، ﴿وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ منهم، فلم ينقادوا لدعوتهم، فجاهد المؤمنون الكافرين، ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾ أي: قويناهم ونصرناهم عليهم.
﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ عليهم وقاهرين [لهم]، فأنتم يا أمة محمد، -[٨٦٢]- كونوا أنصار الله ودعاة دينه، ينصركم الله كما نصر من قبلكم، ويظهركم على عدوكم.
تمت ولله الحمد (١١)
(١) في ب: التي من أجلها الجهاد في سبيله.
(٢) في ب: وإن كان.
(٣) في ب: والخير الأخروي بالفوز.
(٤) في ب: أحد من خلقه.
(٥) في ب: أنه لو رأى العباد الجنة.
(٦) في ب: وفرحها.
(٧) زيادة من هامش ب.
(٨) في ب جاء بدلا من هذا الحديث ما يلي: [كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا، وجبت له الجنة) فعجب لها أبو سعيد الخدري- راوي الحديث - فقال: أعدها علي يا رسول الله، فأعادها عليه ثم قال: (وأخرى يرفع بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض) فقال: وما هي يا رسول الله؟ قال: "الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله) رواه مسلم.
(٩) في ب: تنفيذه.
(١٠) في ب: قال لهم منبها.
(١١) في ب: تم تفسيرها والحمد لله رب العالمين.
تفسير سورة الجمعة
[وهي] مدنية
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٨٧ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني — أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — نووي الجاوي محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

إعراب الآية ١١ من سورة الصف

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة الصف (٦١) : آية ٩]

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)
قول أبي هريرة في هذا: أنه يكون إذا نزل المسيح صلّى الله عليه وسلّم وصار الدّين كلّه دين الإسلام.

[سورة الصف (٦١) : الآيات ١٠ الى ١٣]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)
قال قتادة: فلولا أنه بيّن التجارة لطلبت قال: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وكان أبو الحسن علي بن سليمان يذهب إلى هذا ويقول «تؤمنون» على عطف البيان الذي يشبه البدل، وحكى لنا عن محمد بن يزيد أن معنى «تؤمنون» آمنوا على جهة الإلزام. قال أبو العباس: والدليل على ذلك يَغْفِرْ لَكُمْ جزم لأنه جواب الأمر وعطف عليه وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ.
فأما قول الأخفش سعيد: إنّ وَأُخْرى في موضع خفض على أنه معطوف على تجارة فهو يجوز، وأصحّ منه قول الفراء: إنّ «أخرى» في موضع رفع بمعنى ولكم أخرى يدلّ على ذلك نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ بالرفع ولم يخفضا وعلى قول الأخفش الرفع بإضمار مبتدأ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ أي بالنصر والفتح. والنصر في اللغة المعونة.

[سورة الصف (٦١) : آية ١٤]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ قراءة أهل المدينة وأبي عمرو، وقرأ الكوفيون كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ بالإضافة وهو اختيار أبي عبيد وحجته في ذلك قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ ولم يقولوا: أنصار الله. وهذه الحجة لا تلزم لأنها مختلفان لأن الأول كونوا ممن ينصرون الله فمعنى هذا النكرة فيجب أن يكون أنصارا لله وإن كانت الإضافة فيه تجوز أي كونوا الذين يقال لهم: هذا، والثاني معناه المعرفة. ألا ترى أنك إذا قلت: فلان ناصر لله فمعناه ممن يفعل هذا، وإذا عرفته فمعناه المعروف بهذا، كما قال: [البسيط] ٤٨٣-
هو الجواد الذي يعطيك نائلهحينا ويظلم أحيانا فيظّلم
«١»
(١) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ١٥٢، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ٢١٩، والكتاب ٤/ ٦٠٠، وسمط اللئالي ص ٤٦٧، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٤٠٣، وشرح التصريح ٢/ ٣٩١، وشرح شواهد الشافية ٤٩٣، وشرح المفصّل ١٠/ ٤٧، ١٤٩، ولسان العرب (ظلم)، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٨٢، وبلا نسبة في الخصائص ٢/ ١٤١، وشرح الأشموني ٣/ ٨٧٣، وشرح شافية ابن الحاجب ٣/ ١٨٩، ولسان العرب (ظنن).
فأما قول القتبي معنى مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ أي مع الله فلا يصحّ ولا يجوز: قمت إلى زيد مع زيد. قال أبو جعفر: وتقديره من يضم نصرته إياي إلى نصرة الله إياي فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ قد بيّناه قال مجاهد: فَأَيَّدْنَا فقوّينا. قال إبراهيم النخعي في معنى فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ أيّدهم الله محمد صلّى الله عليه وسلّم وتصديقه إياهم أن عيسى صلّى الله عليه وسلّم كلمة الله.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

آيات مشابهة للآية ١١ من سورة الصف

مواضع أخرى في القرآن تشبه ألفاظ هذه الآية

جميع المتشابهات لهذه الآية ←

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٩ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور

قراءات

قول واحد
١
عن عاصم، أنه قرأ: ﴿تِجارَةٍ تُنجِيكُمْ﴾ خفيفة١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. وهي قراءة العشرة ما عدا ابن عامر؛ فإنه قرأ: ‹تُنَجِّيكُم› بالتشديد. انظر: النشر ٢‏/‏٣٨٧، والإتحاف ص٥٤١.

نزول الآية

٤ أقوال
١
عن أبي هريرة، قال: قالوا: لو كُنّا نعلمُ أيَّ الأعمال أحبّ إلى الله. فنَزلت: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿بِأَمْوالِكُمْ وأَنْفُسِكُمْ﴾. فكرهوا؛ فنَزَلَتْ: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون﴾ إلى قوله: ﴿بنيان مرصوص﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه. وتقدم في أول السورة.
٢
عن سعيد بن جُبَير، في قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ الآية، قال: لَمّا نَزَلَتْ قال المسلمون: لو علِمنا ما هذه التجارة لَأعطينا فيها الأموالَ والأهلين. فبيّن لهم التجارة، فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٣
عن أبي صالح باذام -من طريق محمد بن جُحادة- قال: قال المسلمون: لو أُمِرنا بشيء نفعله. فنَزَلت: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ﴾، فتباطئوا عنها؛ فنَزلت: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٦٠٧ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٤
قال مقاتل بن سليمان: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ قال بعضهم: يا رسول الله، فما لنا مِن الأجر إذا جاهدنا في سبيل الله؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٣١٧.

تفسير الآية

٤ أقوال
١
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- ﴿هَلْ أدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِن عَذابٍ ألِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال: الحمد لله الذي بيّنَها١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٩٠، وابن جرير ٢٢‏/‏٦١٨.
٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ﴾ الآية، قال: فلولا أنّ الله بيّنَها ودلّ عليها لَتَلَهَّفَ١ الرجال أن يكونوا يعلمونها حتى يطلبوها، ثم دلّهم الله عليها، فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ الآية٢
التخريج
  1. ١اللهف: الحزن والتحسر على ما فات. لسان العرب (لهف).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٦١٧. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٣
قال محمد بن السّائِب الكلبي: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ﴾ إنّ هذا جوابٌ لِقولهم: لو نعلَم أحبَّ الأعمال إلى الله وأرضاها عنده لَعمِلنا بها. فقال الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤‏/‏٣٨٥-.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ يعني: وجيع، فقال المسلمون: واللهِ، لو علِمنا ما هذه التجارة لأَعطينا فيها الأموال والأولاد والأهلين. فبيَّن الله لهم ما هذه التجارة، يعني: التوحيد ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ يعني: تُصدِّقون بتوحيد بالله ورسوله محمد ﷺ أنه نبي ورسول، ﴿وتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: في طاعة الله، ﴿ذَلِكُمْ﴾ يعني: الإيمان والجهاد ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من غيره١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٣١٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٨/٢٩٦) أن قوله: ﴿خير﴾ يحتمل احتمالين: الأول: أن يكون للتفضيل، فالمعنى: من كل عمل. الثاني: أن يكون إخبارًا أنّ هذا خير في ذاته ونفسه.
التفسير بالمأثور لسورة الصف كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١١ من سورة الصف

٣ وقفات في هذه الآية

  • تدبرات وتأملات ، سورة الصف أية 11

    — عبدالله الغفيلي

  • * قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)) تؤمنون هذا فعل الطلب على ما أظن فلماذا لم يأت مجزوماً؟ لأن جواب الطلب (يغفرْ لكم)؟ هذا خبر يراد به الطلب أي آمنوا لأن أحياناً الفعل الخبري قد يراد به الطلب مثل (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ (228) البقرة) (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ (233) البقرة) أي ليرضعن أولادهن، أحياناً الفعل الخبري يراد به الأمر، أحياناً تقول لابنك تروح السوق تشتري كذا تأمره لكن بأسلوب الطلب، تروح فعل مضارع لا تقل له روح بصيغة الأمر، تذهب إلى، تفعل هذا لا تقل له إعمل، في اللغة عندنا هذا الشيء أحياناً الخبري قد يراد به الطلب مثل (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ (256) البقرة) يعني لا تكرهوا، (فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ (197) البقرة) (لا رفث) نافية للجنس لكن في معناها ناهية (فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ) هذا نهي. هذا خبر يراد به الطلب. *الفعل لا يكون مجزوماً؟ (تؤمنون) فعل عادي ولكن المراد به آمنوا فأجاب الطلب هذا قال (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ). وقسم من النحاة قالوا ورفضه قسم قالوا (هَلْ أَدُلُّكُمْ) هذا طلب ثم قال (يَغْفِرْ لَكُمْ) إذن يغفر لكم جواب هل أدلكم لكن هذا فيه ضعف من حيث المعنى وأنا أحبذ الرأي الأول. *يختم الله تعالى هذه الآية بقوله (ذلك الفوز العظيم) وفي آية أخرى يقول (ذلك هو الفوز العظيم) فما دلالة الاختلاف؟(د.فاضل السامرائي) (ذلك هو الفوز العظيم) عرّف الفوز وجاء بضمير الفصل (هو) (وضمير الفصل يقع بين المبتدأ والخبر أو ما أصله مبتدأ وخبر أي اسم أن وخبرها واسم كان وخبرها بين المفعولين حتى يفصل بين الخبر والنعت أو الصفة)، هذا هو ضمير الفصل وفائدته التوكيد والحصر. فلما يقول (ذلك هو الفوز العظيم) يعني ليس هناك فوز آخر وما عداه هو الخسران. ما قال ذلك فوز عظيم لأن معناه قد يكون هناك فوز آخر محتمل. هذا ربح وليس معناه أنه ليس هناك ربح آخر، هذا نجاح وليس معناه أنه ليس هناك نجاح آخر. فلما قال (ذلك هو الفوز العظيم) تحديداً أي ليس هناك فوز آخر وما عداه خسران. وجاء بـ (هو) زيادة في التوكيد والحصر. ويقول في آيات أخرى (ذلك الفوز العظيم) هذه فيها حصر وأحياناً تأتي بمؤكد واحد أو مؤكدين تكون أقوى. في نفس السؤال نضرب مثلاً في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) الصفّ) ما قال (هو)، قال (تؤمنون بالله ورسوله، وتجاهدون في سبيل الله)، ثم ذكر يغفر لكم ذنوبكم ويدخلهم جنات، طلب منهم الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات. وقال تعالى في آية أخرى (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التوبة) في الآية الأولى قال تؤمنون بالله، يعني طلب منهم الإيمان بالله والاستمرار عليه وهنا قال اشترى من المؤمنين فوصفهم بالإيمان. هناك طلب منهم أن يجاهدوا في سبيل الله (تجاهدون في سبيل الله) عندهم الأموال والأنفس يجاهدون فيها لكن في الثانية باع واشترى ولم يبقى عندهم مال ولا أنفس (فاستبشروا ببيعكم).هناك جهاد وهنا يقاتلون والجهاد ليس بالضرورة من القتال فالدعوة جهاد (وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52) الفرقان) أما القتال حرب (فيقتلون ويُقتلون) وهذا أقوى الجهاد. أي تضحية أكبر من أن يدفع الواحد نفسه فلا يبقى عنده مال ولا نفس؟ هذه أكبر ولذلك في الآية الأولى قال (ويدخلكم جنات) لما أدخلهم جنات هل بالضرورة أنها صارت مُلكهم؟ في الثانية قال (بأن لهم الجنة) كأنهم اشتروا الجنة فصارت تمليكاً لهم كأن الله تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بالجنة، هذا تمليك أما في الآية الأولى فليس فيها تمليك فالإدخال ليس بالضرورة أن يكون تمليكاً، الثانية بيع وشراء هذا هو الفوز الأعظم ولذلك قال فيها (ذلك هو الفوز العظيم).

    — فاضل السامرائي

  • (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) فسر التجارة بما ذكر من الإيمان والجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس فقال (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) ولم يقل (أن تؤمنوا بالله ورسوله) وذلك لأكثر من فائدة منها أن (أن) تفيد الاستقبال فلو كان ذكرها لكان يعني أن طلب الإيمان إنما يكون في المستقبل مع أن الإيمان ينبغي أن يكون في الحال، ومنها أنه لو قال (أن تؤمنوا بالله) لكان المصدر المؤول إما أن يكون بدلاً من التجارة أو خبراً عن مبتدأ محذوف على تقدير (هي أن تؤمنوا) وعلى التقديرين يكون عدم ذكر (أن) أولى ذلك أنه إذا كان بدلاً يكون التقدير (هل أدلكم على أن تؤمنوا بالله ورسوله) على تقدير تكرار العامل أو إحلاله محل الأول. وإذا كان ذلك كذلك فلا يصح أن يقول (يغفر لكم ذنوبكم...) ... إلخ لأن الدلالة على الشيء لا تعني القيام به، فإنك إذا دللت امرءا على خير لم يفد أن صاحبك فعل ما دللته عليه وأن الدلالة على هذه التجارة لا يعني غفران الذنوب وإدخال الجنة والنصر وإنما العمل بهذه التجارة هو الذي يؤدي إلى ذلك. فقال (تُؤْمِنُونَ) وَ ( تُجَاهِدُونَ) أي تفعلون ذلك. وكذلك إذا كان التقدير خبراً عن مبتدأ محذوف أي: هي أن تؤمنوا. فذلك أيضاً لا يؤدي إلى مغفرة الذنوب وإدخال الجنة والنصر وإنما ذلك هو تفسير لما دلهم عليه فقط. فقوله (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ... ) أي تفعلون ذلك. ثم إن قوله (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ... ) من دون (أن) يفيد الطلب بمعنى آمنوا، وعدل عن الأمر الصريح إلى الخبر للدلالة على أنهم كأنهم امتثلوا لما أمرهم به فهم يفعلونه، ويدلك على أن هذا الفعل بمعنى الطلب قوله (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) بجزم (يغفر) فإنه لو لم يكن (تؤمنون) بمعنى الطلب لم ينجزم (يغفر). وقد تقول: ولكن قد تقدم الطلب وهو الاستفهام أعني قوله (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ) فجاز إجابته بالجزم. فنقول: إن المعنى يأبى ذلك، فإن الدلالة على التجارة لا تستلزم المغفرة وإدخال الجنة وإلا دخل كل الناس الجنة لأنهم دلوا على ذلك بوسيلة من الوسائل وإنما الذي يفضي إلى الجنة والنصر هو الطاعة. جاء في (الكشاف): فإن قلت: لم جيء به على لفظ الخبر؟ قلت للإيذان بوجوب الامتثال فهو يخبر عن إيمان وجهاد موجودين(1). لقد فسر التجارة بأمرين وهما: الإيمان بالله ورسوله. والجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس، وهذان الأمران ينجيان من العذاب الأليم بأنواعه في الدنيا والآخرة. أما الأول وهو الإيمان فإنه يبعث على الطمأنينة والاستقرار والأمن النفسي والرضا بقضاء الله، وظاهر أن لفظ (الإيمان) له علاقة بالأمن فالنفس المؤمنة إنما هي في أمن وسكينة. وهذا ينجي من العذاب النفسي وعذاب الباطن عموماً. وأما الآخر وهو الجهاد فهو ينجي من العذاب الظاهر كما ذكرنا فإن الشعوب التي لا تجاهد شعوب خانعة مستضعفة. فدل ذلك على أن هذه التجارة تنجي من العذاب الأليم في الدنيا والآخرة. (وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ۚ) ذكر في سبيل الله لأنه الغرض من الجهاد وكل جهاد في غير سبيله فهو باطل لا يفضي إلى جنة ولا ينجي من العذاب الأليم. وقدم (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) على الأموال والأنفس لأنه أهم منهما ههنا. وقد تقول: ولكنه قدم الأموال والأنفس على قوله (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) في مواطن أخرى فقد قال في (الأنفال) مثلاً: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) - (۷۲) وقال في سورة الحجرات (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) - (15) فلم ذاك؟ والجواب أن ذلك بحسب ما يقتضيه السياق، فقد يقتضي السياق تقديم كلمة في موضع ويقتضي تأخيرها في موضع آخر. فإذا كان السياق في حب المال وجمعه مثلاً قدم المال وإذا كان السياق في القتال والجهاد قدم (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أو لغير ذلك من مقتضيات التقديم والتأخير. ففي سورة الأنفال مثلاً قدم المال لأنه. تقدم ذكر المال والغداء والغنيمة من مثل قوله تعالى (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا) - الأنفال (67) وهو المال الذي فدى الأسرى به أنفسهم، وقوله (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيم) - الأنفال (68) أي من الفداء. وقوله (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ) - الأنفال (69) وغير ذلك فقدم المال ههنا. لأن المال كان مطلوباً لهم حتى عاتبهم الله في ذلك فطلب أن يبدؤوا بالتضحية به (2). وكذلك التقديم والتأخير في سورتي الصف والحجرات فإن السياق في كل منهما يقتضي تقديم ما قدم ذلك أن الكلام في الحجرات على المؤمنين وصفتهم فقدم ما يتعلق بهم وهو أموالهم وأنفسهم، وإن الكلام في آية الصف على التجارة التي تنجي من عذاب أليم فقدم ما يتعلق بها وهو (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، هذا إضافة إلى أنه تقدم ذكر القتال في سبيله في أول السورة وهو قوله (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) ، وإن جو السورة يشيع فيه ذكر القتال فاقتضى ذلك تقديم (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) به على الأموال، والله أعلم. (ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي إن الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس خير من إيثار الراحة والقعود. صحيح أن القتال مكره إلى النفوس مبغض إليها كما قال تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) - البقرة (216). ولكن في هذا المكروه خيراً كثيرًا فإن الأمة المجاهدة القوية تحمي نفسها وحقها بخلاف الأمة القاعدة الخانعة فإنها تستعبد لكل غاز. وقال (ذَٰلِكُمْ) ولم يقل (ذلك) لأنه أراد أن الخير للأمة جميعها وليس لفرد أو فئة وعلى سبيل الدوام وليس لوقت محدود. وقد تقول: ولكن الله خاطب المؤمنين في موضع آخر وأشار بـ (ذلك) لا بـ (ذلكم). فقد قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۚ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) - المجادلة (۱۲) فما الفرق؟ والجواب أن الفرق ظاهر. فإن المخاطبين بآية الجهاد هم عموم المؤمنين إلى يوم القيامة بخلاف آية تقديم الصدقة عند مناجاة الرسول. هذا إضافة إلى أن آية الجهاد أعم حتى في زمن الرسول. فإن الجهاد يشمل الغني والفقير. فقد يجاهد الشخص بماله ونفسه، وقد يجاهد بماله فقط وقد يجاهد بنفسه على حسب استطاعته كما قال تعالى (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا) - التوبة (41) بخلاف آية الصدقة فإنها تخص الأغنياء الذين يناجون الرسول خاصة. هذا إضافة إلى أن آية تقديم الصدقة هذه نسخت بعد ذلك بمدة وجيزة وانتهى حكمها فقد قال تعالى بعد هذه الآية: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) - (۱۳). أما آية الجهاد فهي آية محكمة سار حكمها إلى يوم الدين فكان ما جاء فيها أهم وأعم وأشمل. والله أعلم. إن ذكر آية الجهاد هذه بعد قوله (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) يدل على أن إظهار الله لدينه إنما يكون بالجهاد لا بكونه هدى ودين الحق فحسب فإن ذلك وحده لا يظهر عقيدة أو فكرة بل لا بد لها من حملة يجاهدون في سبيلها. وقد وعد الله بأنه سيظهر دينه على الدين كله ومعنى ذلك أنه علم أن هذه الأمة ستجاهد في سبيله حتى يظهر الله دينه. وقد تقول: ولكن الله قال في سورة التوبة ذلك ولم يعقب الآية بالجهاد فكيف يصح استدلالك هذا؟ فنقول: كيف يصح هذا القول وسورة التوبة مشحونة بذكر الجهاد والقتال من أولها إلى آخرها؟ فقد تقدم الآية ذكر غزوة حنين. وقال بعدها (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) - (۲۹). وقال بعدها (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) ۚ - (36): وقال بعدها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ (۳۸) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ (۳۹) )إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ (40) ا نْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ (41) .. إلى الآية 52. وذكر بعد ذلك ما يتعلق بالجهاد والقتال أيضاً إلى أواخر السورة فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ) (۱۲۳). فالسورة من أولها إلى آخرها تكاد تكون في الجهاد فاتضح ما قلناه. والله أعلم. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 225 إلى ص 229. (1) الكشاف 4/100. (2) التعبير القرآني 67 – 68، وأنظر البرهان للكرماني 203. درة التنزيل 189 – 190.**

    — فاضل السامرائي

الناسخ والمنسوخ في الآية ١١ من سورة الصف

من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه

﴿ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

قولُه تعالى: ﴿وإِن فَاتَكُمْ شَيءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الكُفَّارِ﴾ الآية:
أَمر اللهُ المؤمنينَ أن يَدْفعوا لمن ذهَبَتْ زوجتُه من المسلمين إلى المشركين ما دفع إليها مِمَّا يغنمون من أموال الكفار، وهذا حُكْمٌ حكم به الله وأمر به في وقت المهادنة، فلما زالت زالَ الحُكْمُ وبَقِيَ الرسم متلوا منسوخاً حُكْمُه بزوال العِلَّة. ويجوزُ أن يكونَ منسوخاً بقوله: ﴿واعلموا أنما غَنِمْتُم مِن شيءٍ فأَنَّ لِلِّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] - الآية - فبين ما يصنع في الغنيمة، ولا شيءَ فيها لمن ذهبت زوجتُه إلى الكفار، ولا يجوزُ اليومَ أن نهادِنَ المشركين على شيء من هذه الشروط، إنما هو السيفُ أو الإِيمانُ، أوالصُّلْحُ على غير شرطٍ لا يجوزُ في الدين.
فأما الهدنةُ مع أهل الكتابِ والمجوسِ فجائزةٌ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أَهلِ الكتاب".
وقد قيل إن قوله: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُم﴾ [التوبة: ٥] ناسخ للهدنة بيننا وبين مشركي العرب.
ولمَّا قال في أهل الكتاب: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩]، جازت الهدنةُ بيننا وبينَهُم، وجَرَت المجوسُ مَجراهم بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "سُنُّوا بهم سنة أَهلِ الكتاب".
فَنَسَخَت آيةُ السَّيْفِ (إِعطاءَ المشركين) صَدُقاتِ مَنْ جاءنا من نسائهم مُسْلِمَةً، ونَسَخَ زوالَ زمانِ الهدنة وآيةُ الأنفال إعطاءَ المسلمين مهور نسائهم اللواتي رجَعْنَ إلى الكفار [من الغنيمةِ أو من الفيءِ، وهو قوله: ﴿وإِن فَاتَكُمْ شَيءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الكُفَّارِ﴾] فعاقبتُم: أي أصبتم عقبى (بمعنى): غنيمة أو فيء، فآتوا الذينَ ذَهَبَتْ أزواجُهُم مِثْلَ ما أنفقوا.
وقد قيل: إنَّ المحنةَ المذكورةَ في آخر السُّورَةِ منسوخةٌ أيضاً بذهاب زمان الهدنة.
وقيل: هيَ مُحْكَمَةٌ، وإذا (تباعدت) الدَّارُ واحتيج إلى المحنة كان ذلك إلى الإِمام.
وقد قالَ ابنُ زيدٍ: نسَخَتْ هذه الأحكامَ التي في هذه السورة براءة إذ أَمَر اللهُ تعالى نبيَّه (أَنْ يَنْبذَ إلى) كل ذي عهد (عهدَه)، (ويقتلوا حيث وُجدوا) (وقاله قتادةُ، وأُمِرَ بقتال) أهل الكتاب حتَّى يُعْطوا الجزيةَ(عن يدٍ) - الآية -.

ترجمات معاني الآية ١١ من سورة الصف

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(11) [It is that] you believe in Allāh and His Messenger and strive in the cause of Allāh with your wealth and your lives. That is best for you, if you only knew.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال