البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين﴾ : الظاهر أن هذه بشارة غير تلك البشارة، وأن الغلام الحليم المبشر به إبراهيم هو إسماعيل، وأنه هو الذبيح لا إسحاق ؛ وهو قول ابن عباس، وابن عمر، ومعاوية بن أبي سفيان، ومحمد بن كعب القرظي، والشعبي، والحسن، ومجاهد، وجماعة من التابعين ؛ واستدلوا بظاهر هذه الآيات وبقوله عليه السلام : أنا ابن الذبيحين، وقول الأعرابي له : يا ابن الذبيحين : فتبسم عليه السلام، يعني إسماعيل، وأباه عبد الله.
وكان عبد المطلب نذر ذبح أحد ولده، فخرج السهم على عبد الله، فمنعه أخواله وقالوا له : افد ابنك بمائة من الإبل، ففداه بها.
وفيما أوحي الله لموسى في حديث طويل.
وأما إسماعيل، فإنه جاد بدم نفسه.
وسأل عمر بن عبد العزيز يهودياً أسلم عن ذلك فقال : إن يهودياً ليعلم، لكنهم يحسدونكم معشر العرب، وكان قرنا الكبش منوطين في الكعبة.
وسأل الأصمعي أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال : يا أصمعي، أين عزب عنك عقلك ؟ ومتى كان إسحاق بمكة ؟ وهو الذي بنى البيت مع أبيه، والمنحر بمكة ؟ انتهى.
ووصفه تعالى بالصبر في قوله :﴿وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين﴾ وهو صبره على الذبح ؛ وبصدق الوعد في قوله :
﴿إنه كان صادق الوعد﴾ لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به.
وذكر الطبري أن ابن عباس قال : الذبيح إسماعيل، ويزعم اليهود أنه إسحاق، وكذبت اليهود.
ومن أقوى ما يستدل به أن الله تعالى بشر إبراهيم بإسحاق، وولد إسحاق يعقوب.
فلو كان الذبيح إسحاق، لكان ذلك الإخبار غير مطابق للواقع، وهو محال في إخبار الله تعالى.
وذهبت جماعة إلى أن الذبيح هو إسحاق، منهم : العباس بن عبد المطلب، وابن مسعود، وعلي، وعطاء، وعكرمة، وكعب، وعبيد بن عمير، وابن عباس في رواية، وكان أمر ذبحه بالشأم.
وقال عطاء ومقاتل : ببيت المقدس ؛ وقيل : بالحجاز، جاء مع أبيه على البراق.
وقال عبيد بن عمير، وابن عباس في رواية : وكان أمر ذبحه بالشأم، كان بالمقام.
وقال ابن عباس : والبشارة في قوله :﴿وبشرناه بإسحاق﴾، هي بشارة نبوته.
وقالوا : أخبر تعالى عن خليله إبراهيم حين هاجر إلى الشام بأنه استوهبه ولداً، ثم أتبع تلك البشارة بغلام حليم، ثم ذكر رؤياه بذبح ذلك الغلام المبشر به، ويدل عليه كتاب يعقوب إلى يوسف، عليهما السلام : من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله.
ومن جعل الذبيح إسحاق، جعل هذه البشارة بشارة بنبوته، كما ذكرنا عن ابن عباس.
وقالوا : لا يجوز أن يبشره الله بولادته ونبوته معاً، لأن الامتحان بذبحه لا يصح مع علمه بأنه سيكون نبياً.
ومن جعله إسماعيل، جعل البشارة بولده إسحاق.
وانتصب نبياً على الحال، وهي حال مقدرة.
فإن كان إسحاق هو الذبيح، وكانت هذه البشارة بولادة إسحاق، فقد جعل الزمخشري ذلك محل سؤال.
فإن قلت : فرق بين هذا وقوله :﴿فادخلوها خالدين﴾ وذلك أن المدخول موجود مع وجود الدخول، والخلود غير موجود معهما، فقدرت مقدرين للخلود، فكان مستقيماً.
وليس كذلك المبشر به، فإنه معلوم وقت وجود البشارة، وعدم المبشر به أوجب عدم حاله، لأن الحال حلية لا تقوم إلا بالمحلي.
وهذا المبشر به الذي هو إسحاق، حين وجد لم توجد النبوة أيضاً بوجوده، بل تراخت عنه مدة طويلة، فكيف يجعل نبياً حالاً مقدرة ؟ والحال صفة للفاعل والمفعول عند وجود الفعل منه أو به.
فالخلود، وإن لم يكن صفتهم عند دخول الجنة، فتقديرها صفتهم، لأن المعنى : مقدرين الخلود.
وليس كذلك النبوة، فإنه لا سبيل إلى أن تكون موجودة وقت وجود البشارة بإسحاق لعدم إسحاق.
قلت : هذا سؤال دقيق السلك ضيق المسلك، والذي يحل الإشكال أنه لا بد من تقدير مضاف محذوف وذلك قوله :﴿وبشرناه﴾ بوجود إسحاق نبياً، أي بأن يوجد مقدرة نبوته، فالعامل في الحال الوجود، لا فعل البشارة ؛ وبذلك يرجع نظير قوله تعالى :﴿فادخولها خالدين﴾ ﴿من الصالحين﴾ حال ثانية، وورودها على سبيل الثناء والتقريظ، لأن كل نبي لا بد أن يكون من الصالحين. انتهى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى