المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقرأ جمهور القراء «بل عجبتَ » بفتح التاء، أي عجبت يا محمد عن إعراضهم عن الحق وعماهم عن الهدى وأن يكونوا كافرين مع ما جئتهم به من عند الله، وقرأ حمزة والكسائي «بل عجبتُ » بضم التاء، ورويت عن علي وابن مسعود وابن عباس وابن وثاب والنخعي وطلحة وشقيق والأعمش وذلك على أن يكون تعالى هو المتعجب، ومعنى ذلك من الله أنه صفة فعل، ونحوه قول النبي ﷺ «يعجب الله تعالى إلى قوم يساقون إلى الجنة في السلاسل »(١)، وقوله عليه السلام «يعجب الله من الشاب ليست له صبوة »(٢)، فإنما هي عبارة عما يظهره تعالى في جانب المتعجب منه من التعظيم والتحقير حتى يصير الناس متعجبين منه، فمعنى هذه الآية بل عجبت من ضلالتهم وسوء نحلتهم، وجعلتها للناظرين، وفيما اقترن معها من شرعي وهداي متعجباً، وروي عن شريح أنه أنكر هذه القراءة وقال إن الله تعالى لا يعجب، وقال الأعمش : فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال إن شريحاً كان معجباً بعلمه وإن عبد الله أعلم منه(٣)، وقال مكي وعلي بن سليمان في كتاب الزهراوي : هو إخبار عن النبي ﷺ عن نفسه كأن المعنى قل بل عجبت، وقوله ﴿يسخرون﴾ أي وهم يسخرون من نبوءتك والحق الذي عندك.
١ أخرجه أحمد في مسنده(٢-٣٠٢، ٤٠٦، ٤٤٨، ٤٥٧، ٥-٢٤٩)، وأخرجه البخاري في الجهاد، وكذلك أبو داود، واللفظ في المسند، عن أبي هريرة رضي الله عنه:(عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل)، قال البيهقي: قد يكون هذا الحديث وما ورد من أمثاله أنه يعجّب ملائكته من كرمه ورأفته بعباده، حين حملهم على الإيمان به بالقتال والأسر في السلاسل، حتى إذا آمنوا أدخلهم الجنة..
٢ أخرجه أحمد في مسنده(٤-١٥١)، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن الله عز وجل ليعجب من الشاب ليست له صبوة). والصبوة: الميل إلى اللهو، وفي التنزيل العزيز:﴿وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن﴾..
٣ عبد الله المقصود هنا هو ابن مسعود رضي الله عنه. قال أبو زكريا الفراء في كتابه (معاني القرآن):"والرفع أحب إلي؛ لأنها قراءة علي، وابن مسعود، وعبد الله بن عباس، قال شقيق: قرأت عند شريح:﴿بل عجبت ويسخرون﴾، فقال: إن الله لا يعجب من شيء، إنما يعجب من لا يعلم، قال: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: إن شريحا شاعر يعجبه علمه، وعبد الله أعلم بذلك". ثم قال الفراء:"والعجب وإن أسند إلى الله فليس معناه من الله كمعناه من العباد، ألا ترى أنه قال:﴿فيسخرون منهم سخر الله منهم﴾ وليس السخري من الله كمعناه من العباد، وكذلك قوله:﴿الله يستهزئ بهم﴾ ليس ذلك من الله كمثله من العباد، ففي ذا بيان لِكسر قول شريح وإن كان جائزا؛ لأن المفسرين قالوا: بل عجبت يا محمد ويسخرون هم، فهذا وجه النصب"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى