جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
والصواب من القول في ذلك أن يقال : إنهما قراءتان مشهورتان في قرّاء الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
فإن قال قائل : وكيف يكون مصيبا القارىء بهما مع اختلاف معنييهما ؟ قيل : إنهما وإن اختلف معنياهما فكلّ واحد من معنييه صحيح، قد عجب محمد مما أعطاه الله من الفضل، وسحْر منه أهل الشرك بالله، وقد عجب ربنا من عظيم ما قاله المشركون في الله، وَسخِر المشركون بما قالوه.
فإن قال : أكان التنزيل بإحداهما أو بكلتيهما ؟ قيل : التنزيل بكلتيهما، فإن قال : وكيف يكون تنزيل حرف مرّتين ؟ قيل : إنه لم ينزل مرّتين، إنما أنزل مرّة، ولكنه أمر ﷺ أن يقرأ بالقراءتين كلتيهما، ولهذا مَوضع سنستقصي إن شاء الله فيه البيان عنه بما فيه الكفاية. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ قال : عجب محمد عليه الصلاة والسلام من هذا القرآن حين أُعطيه، وسخر منه أهل الضلالة.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (فَأتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ) قال: والثاقب: المستوقد، قال: والرجل يقول: أَثقِب نارك، ويقول استثقِب نارك استوقد نارك.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد الله، قال: سُئل الضحاك هل للشياطين أجنحة؟ فقال: كيف يطيرون إلى السماء إلا ولهم أجنحة.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: فاستفت يا محمد هؤلاء المشركين الذي يُنكرون البعث بعد الممات والنشور بعد البلاء: يقول: فسَلْهم: أهم أشد خلقا؟ يقول: أخلقُهم أشد أم خلق من عددنا خلقه من الملائكة والشياطين والسموات والأرض؟
وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله بن مسعود:"أهُمْ أشَدُّ خَلْقا أمْ مَنْ عَدَدْنَا"؟.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (أهُمْ أشَدُّ خَلْقا أمْ مَنْ خَلَقْنَا) ؟ قال: السموات والأرض والجبال.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فَاسْتَفْتِهِمْ أهُمْ أَشَدُّ خَلْقا أمْ مَنْ عَدَدْنَا" من خلق السموات والأرض، قال اللهُ: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ)... الآية.
حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي (فَاسْتَفْتِهِمْ أهُمْ أشَدُّ خَلْقَا) قال: يعني المشركين، سلهم أهم أشد خلقا (أمْ مَنْ خَلَقْنَا)
وقوله (إنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ) يقول: إنا خلقناهم من طين لاصق. وإنما وصفه جل ثناؤه باللُّزوب، لأنه تراب مخلوط بماء، وكذلك خَلْق ابن آدم من تراب وماء ونار وهواء; والتراب إذا خُلط بماء صار طينا لازبا، والعرب تُبدل أحيانًا هذه الباء ميما، فتقول: طين لازم; ومنه قول النجاشي الحارثي:
| بنى اللؤم بيتا فاستقرت عماده | عليكم بني النجار ضربة لازم (١) |
| ولا يحسبون الخير لا شرَّ بعدهُ | ولا يحسبون الشر ضربة لازب (٢) |
(٢) وهذا البيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (مصورة الجامعة ص ٢٠٨ - ١). وهو كالشاهد الذي قبله على أن معنى اللازب اللازم. قال نابغة بني ذبيان:"لا يحسبون الخير.... البيت": اهـ.
| صداعٌ وتوصيمُ العظامِ وفترة | وغثي مع الإشراق في الجوف لاتب (١) |
وبنحو الذي قلنا في معنى (لازِبٍ) قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عبيد الله بن يوسف الجُبَيري، قال: ثنا محمد بن كثير، قال: ثنا مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله (مِنْ طِينٍ لازِبٍ) قال: هو الطين الحر الجيد اللزج.
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن، قالا ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: اللازب: الجيد.
. قال والعرب تقول: ليس هذا بضربة لازب، ولازم؛ يبدلون الباء ميما، لتقارب المخرج. اه. (وفي اللسان:"لتب" اللاتب: الثابت؛ تقول منه لتب يلتب). (بوزن يقتل) لتبا ولتوبا، وأنشد أبو الجراح:
| فإن يك هذا من نبيذ شربته | فإني من شرب النبيذ لتائب |
وفي اللسان عن الفرّاء في قوله تعالى" من طين لازب": قال: اللازب واللاتب واحد. قال: وقيس تقول: طين لاتب. واللاتب: اللازق، مثل اللازب. وهذا الشيء ضربة لاتب كضربة لازم. اهـ.
(٢) في الأصل: ويلزب وهو تحريف عما أثبتناه؛ لتصريحهم بأن الفعل من باب نفد، وأن المصدر لزبا ولزوبا. (انظر اللسان والمصباح: لزب) وضبط في التاج ككرم.
حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله (مِنْ طِينٍ لازِبٍ) يقول: ملتصق.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله (إنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ) قال: من التراب والماء فيصير طينا يَلْزَق.
حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، في قوله (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ) قال: اللازب: اللَّزِج.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ) واللازب: الطين الجيد.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله (إنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ) واللازب: الذي يَلْزَق باليد.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله (مِنْ طِينٍ لازِبٍ) قال: لازم.
حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآمُلي، قال: ثنا مروان بن معاوية، قال: ثنا جُوَيبر، عن الضحاك، في قوله (مِنْ طِينٍ لازِبٍ) قال: هو اللازق.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ) قال: اللازب: الذي يلتصق كأنه غِراء، ذلك اللازب.
قوله (بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ) اختلفت القرّاء فى قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الكوفة: (بلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ) بضم التاء من عجبت، بمعنى: بل عظم