الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
اليمين لما كانت أشرف العضوين وأمتنهما وكانوا يتيمنون بها، فيها يصافحون ويماسحون ويناولون ويتناولون، ويزاولون أكثر الأمور، ويتشاءمون بالشمال، ولذلك سموها : الشؤمى، كما سموا أختها اليمنى، وتيمنوا بالسانح، وتطيروا بالبارح، وكان الأعسر معيباً عندهم، وعضدت الشريعة ذلك، فأمرت بمباشرة أفاضل الأمور باليمين، وأراذلها بالشمال. وكان رسول الله ﷺ يحب التيامن في كل شيء، وجعلت اليمين لكاتب الحسنات والشمال لكاتب السيئات ؛ ووعد المحسن أن يؤتى كتابه بيمينه، والمسيء أن يؤتاه بشماله : استعيرت لجهة الخير وجانبه، فقيل : أتاه عن اليمين، أي : من قبل الخير وناحيته، فصدّه عنه وأضلّه. وجاء في بعض التفاسير : من أتاه الشيطان من جهة اليمين : أتاه من قبل الدين فلبس عليه الحق. ومن أتاه من جهة الشمال : أتاه من قبل الشهوات. ومن أتاه من بين يديه : أتاه من قبل التكذيب بالقيامة وبالثواب والعقاب. ومن أتاه من خلفه : خوّفه الفقر على نفسه وعلى من يخلف بعده ؛ فلم يصل رحماً ولم يؤد زكاة.
فإن قلت : قولهم : أتاه من جهة الخير وناحيته، مجاز في نفسه، فكيف جعلت اليمين مجازاً عن المجاز ؟ قلت : من المجاز ما غلب في الاستعمال حتى لحق بالحقائق، وهذا من ذاك ؛ ولك أن تجعلها مستعارة للقوّة والقهر ؛ لأنّ اليمين موصوفة بالقوة، وبها يقع البطش. والمعنى : أنكم كنتم تأتوننا عن القوّة والقهر، وتقصدوننا عن السلطان والغلبة حتى تحملونا على الضلال وتقسرونا عليه. وهذا من خطاب الأتباع لرؤسائهم، والغواة لشياطينهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى