الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ : فيه وجهان، أحدهما : أنه حقيقةٌ، وأنَّ رؤوسَ الشياطينِ شجرٌ بعينِه بناحيةِ اليمن يُسَمَّى " الأسْتَن " وقد ذكره النابغةُ :
٣٨١٢ تَحِيْدُ عن أَسْتَنٍ سُوْدٍ أسافِلُهامثلَ الإِماءِ الغوادي تَحْمِل الحُزَمَا
وهو شجرُ مُرٌّ منكَرُ الصورةِ، سَمَّتْه العربُ بذلك تشبيهاً برؤوس الشياطين في القُبْح ثم صار أصلاً يُشَبَّه به. وقيل : الشياطين صِنْفٌ من الحَيَّاتِ، ولهنَّ أعْراف. قال :
٣٨١٣ عُجَيِّزٌ تَحْلِفُ حينَ أَحْلِفُكمثلِ شيطان الحَماطِ أَعْرَفُ
وقيل : وهو شجرٌ يقال له الصَّوْمُ، ومنه قولُ ساعدةَ بن جُؤَيَّة :
٣٨١٤ مُوَكَّلٌ بشُدُوْفِ الصَّوْم يَرْقُبهامن المَغَارِبِ مَخْطوفُ الحَشَا زَرِمُ
فعلى هذا قد خُوْطِبَ العربُ بما تَعْرِفُه، وهذه الشجرةُ موجودةٌ فالكلامُ حقيقةٌ.
والثاني : أنَّه من بابِ التَّخْييل والتمثيل. وذلك أنَّ كلَّ ما يُسْتَنْكَرُ ويُسْتَقْبَحُ في الطِّباعِ والصورةِ يُشَبَّه بما يتخيَّله الوهمُ، وإن لم يَرَه. والشياطين وإن كانوا موجودين غيرَ مَرْئِيَّين للعرب، إلاَّ أنه خاطبهم بما أَلِفوه من الاستعارات التخييلية، كقوله :
٣٨١٥. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** ومَسْنُوْنَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيابِ أَغْوالِ
ولم يَرَ أنيابَها، بل ليسَتْ موجودة البتةَ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى