البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
﴿لا يسَّمَّعون إِلى الملأ الأعلى﴾ : استئناف ؛ لبيان حالهم، بعد بيان حفظ السماء منهم، ولا يجوز وصفه لكل شيطان ؛ لأنه يقتضي أن يكون الحفظ من شياطين لا يسمعون.
والضمير لكلٍّ باعتبار المعنى ؛ لأنه في معنى شياطين، وتعدية ﴿يسمعون﴾ بإلى لتضمُّنه معنى الإصغاء ؛ مبالغة في نفيه، وتهويلاً لما يمنعهم عنه. ومَن قرأ بالتشديد فأصله :" يتَسمَّعون " فأدغم. والتسمُّع : طلب السماع. يقال : تسمّع فسمع أو لم يسمع إذا منعه مانع. والملأ الأعلى هم : الملائكة ؛ لأنهم في السماوات العُلى، والإنس والجن هم الملأ الأسفل ؛ لأنهم سكان الأرض ﴿ويُقْذَفُون﴾ يُرمون بالشُهب، ﴿مِن كل جانبٍ﴾ من جميع جوانب السماء، من أيّ جهة صعدوا للاستراق.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : أقسم الحق تعالى بصفوف الذاكرين، الزاجرين للخواطر عن قلوبهم، في طلب الحضور، التالين لذكر ربهم لرفع الستور، إنه منفرد في ألوهيته، متوحِّد في ربوبيته ؛ إذ هو ربُّ كل شيء، ربُّ سماوات الأرواح، وربُّ أرض النفوس والأشباح، وربُّ مشارق أنوار العرفان، وهي قلوب أهل العيان، ولم يذكر المغارب ؛ لأن شمس القلوب إذا طلعت ليس لها مغيب.
قوله تعالى :﴿إِنا زَيَّنا السماءَ الدنيا...﴾ إلخ، قال القشيري : زيَّن السماء بالنجوم، وزيَّن قلوب أوليائه بنجوم المعارف والأحوال. هـ. وقوله تعالى :﴿وحِفظاً من كل شيطان مارد﴾ قال القشيري : كذلك حفظ القلوب بأنوار التوحيد، فإذا قَرُبَ منها الشيطان رَجَمَهَا بنجوم معارفهم، إلا مَن خَطِفَ الخطفة، كذلك إذا اغتنم الشيطان من الأولياء أن يُلْقِيَ شيئاً من وساوسه ؛ تَذَكَّروا، فإذا هم مُبْصِرون. هـ.
وقال في لطائف المنن : إن الله تعالى إذ تولى وليًّا صان قلبه من الأغيار، وحرسه بدوام الأنوار، حتى لقد قال بعض العارفين : إذا كان سبحانه قد حرس السماء بالكواكب والشُّهب ؛ كي لا يسترق السمع منها، فقلبُ المؤمن أولى بذلك، لقول الله سبحانه، فيما يحكيه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لم تسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن ". هـ. والمراد : المؤمن الكامل، الذي تولّى الله حفظه، وهو الولي العارف.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى