جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : لا يَسّمّعُونَ إلى المَلإِ الأعْلَى اختلفت القرّاء في قراءة قوله : لا يَسّمّعُونَ، فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة، وبعض الكوفيين :«لا يَسْمَعُونَ » بتخفيف السين من يسمعون، بمعنى أنهم يتسمّعون ولا يسمعون. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين بعد لا يسّمّعون بمعنى : لا يتسمعون، ثم أدغموا التاء في السين فشدّدوها.
وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بالتخفيف، لأن الأخبار الواردة عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه، أن الشياطين قد تتسمع الوحي، ولكنها تُرمَى بالشهب لئلا تسمع. ذكر رواية بعض ذلك :
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال : كانت للشياطين مَقاعد في السماء، قال : فكانوا يسمعون الوحي، قال : وكانت النجوم لا تجري، وكانت الشياطين لا تُرمَى، قال : فإذا سمعوا الوحي نزلوا إلى الأرض، فزادوا في الكلمة تسعا قال : فلما بُعِثَ رسول الله ﷺ جعل الشيطانُ إذا قعد مقعده جاء شهاب، فلم يُخْطه حتى يحرقه، قال : فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال : ما هو إلا لأمر حدث قال : فبعث جنوده، فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي بين جبلي نخلة قال أبو كُرَيب، قال وكيع : يعني بطن نخلة، قال : فرجعوا إلى إبليس فأخبروه، قال : فقال هذا الذي حدث.
حدثنا ابن وكيع وأحمد بن يحيى الصوفي قالا : حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال : كانت الجنّ يصعدون إلى السماء الدنيا يستمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعا، فأما الكلمة فتكون حقا، وأما ما زادوا فيكون باطلاً فلما بُعث النبيّ ﷺ مُنِعوا مقاعدَهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يُرْمى بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس : ما هذا إلا لأمر حدث في الأرض، فبعث جنوده، فوجدوا رسول الله ﷺ قائما يصلي، فأتوه فأخبروه، فقال : هذا الحدث الذي حدث.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن رجاء، قال : حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : كانت الجنّ لهم مقاعد، ثم ذكر نحوه.
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا يونس بن بكير، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، قال : ثني الزهريّ، عن عليّ بن الحسين، عن أبي إسحاق، عن ابن عباس، قال : حدثني رهط من الأنصار، قالوا : بينا نحن جلوس ذات ليلة مع رسول الله ﷺ، إذ رأى كوكبا رُمي به، فقال :«ما تقولون في هذا الكوكب الذي يُرمَى به ؟ » فقلنا : يُولد مولود، أو يهلك هالك، ويموت ملك ويملك ملك، فقال رسول الله ﷺ :«لَيْسَ كَذَلكَ، ولكِنّ اللّهَ كانَ إذَا قَضَى أمْرا فِي السّماءِ سَبّحَ لِذَلِكَ حَمَلَةُ العَرْشِ، فَيُسَبّحُ لِتَسْبِيحِهِمْ مَنْ يَلِيهِمْ مِنْ تَحْتِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، فَمَا يَزَالُونَ كذلكَ حتى يَنْتَهِيَ التّسْبِيحُ إلى السّماءِ الدّنيْا، فَيَقُولُ أهْلُ السّماءِ الدّنيْا لِمَنْ يَلِيهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ مِمّ سَبّحْتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : ما نَدْرِي : سَمِعْنا مَنْ فَوْقَنا مِنَ المَلائِكَةِ سَبّحُوا فَسَبّحْنا اللّهَ لتَسْبِيحِهِمْ ولكِنّا سَنَسأَلُ، فَيَسأَلُونَ مَنْ فَوْقَهُمْ، فَمَا يَزَالُونَ كَذلكَ حتى يَنْتَهِيَ إلى حَمَلَةٍ العَرْشِ، فَيَقُولُونَ : قَضَى اللّهُ كَذَا وكَذَا، فَيُخْبِرُونَ بِهِ مَنْ يَلِيهِمْ حتى يَنْتَهُوا إلى السّماءِ الدّنيْا، فَتَسْتَرِقُ الجِنّ ما يَقُولُونَ، فَيَنْزِلُونَ إلى أَوْلِيائِهِمْ مِنَ الإنْسِ فَيَلْقُونَهُ على ألْسِنَتِهِمْ بِتَوَهّمِ مِنْهُمْ، فَيُخْبِرُونَهُمْ بِهِ، فَيَكُونَ بَعْضُهُ حَقّا وَبَعْضُهُ كَذِبا، فَلَمْ تَزَلِ الجِنّ كذلك حتى رُمُوا بِهِذِهِ الشّهُبِ ».
حدثنا ابن وكيع وابن المثنى، قالا : حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهريّ، عن علي بن حسين، عن ابن عباس، قال بينما النّبِيّ ﷺ في نفر من الأنصار، إذ رُمي بنجم فاستنار، فقال النبيّ ﷺ :«ما كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِمِثْلِ هَذَا في الجاهِلِيّةِ إذَا رأيْتُمُوهُ ؟ » قالوا : كنا نقول : يموت عظيم أو يولد عظيم، قال رسول الله ﷺ :«فإنّهُ لا يُرْمَى بِهِ لمَوْتِ أحَدٍ وَلا لَحَياتِهِ، وَلَكِنّ رَبّنا تَبارَكَ اسمُهُ إذَا قَضَى أمْرا سَبّحَ حَمَلَهُ العَرْشِ، ثُمّ سَبّحَ أهْلُ السمّاءِ الّذِينَ يَلُوَنهُمْ، ثُمّ الّذِينَ يَلُوَنهُمْ حتى يَبْلُغَ التّسْبِيحُ أهْلَ هَذِهِ السّماءِ ثُمّ يَسأَلُ أهْلُ السّماءِ السابعة حملَة العرش : مَاذا قال ربنا ؟ فيخبرونهم، ثم يستخبر أهل كل سماء، حتى يبلغ الخبر أهل السّماءِ الدّنيْا، وتَخْطِفُ الشّياطِينُ السّمْعَ، فَيرْمُونَ، فَيَقْذِفُونَهُ إلى أوْلِيائِهِم، فَمَا جاءُوا بِهِ على وَجْهِهِ فَهُوَ حَقّ، وَلَكِنّهُمْ يَزِيدُونَ ».
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : أخبرنا معمر، قال : حدثنا ابن شهاب، عن عليّ بن حسين، عن ابن عباس قال : كان رسول الله ﷺ جالسا في نّفَرٍ من أصحابه، قال : فرُمي بنجم، ثم ذكر نحوه، إلا أنه زاد فيه : قلت للزهري : أكان يُرْمى بها في الجاهلية ؟ قال : نعم، ولكنها غلظت حين بُعث النبيّ ﷺ.
حدثني عليّ بن داود، قال : حدثنا عاصم بن عليّ، قال : حدثنا أبي عليّ بن عاصم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال : كان للجنّ مقاعد في السَماء يسمعون الوحي، وكان الوحي إذا أُوحِي سمعت الملائكة كهيئة الحديدة يُرْمى بها على الصّفْوان، فإذا سمعت الملائكة صلصلة الوحي خرّ لجباههم مَنْ في السماء من الملائكة، فإذا نزل عليهم أصحاب الوحي قالُوا ماذَا قالَ رَبّكُمْ قالُوا الحَقّ وَهُوَ العَلِيّ الكَبِيرُ قال : فيتنادون، قال : ربكم الحقّ وهو العليّ الكبير قال : فإذا أنزل إلى السماء الدنيا، قالوا : يكون في الأرض كذا وكذا موتا، وكذا وكذا حياة، وكذا وكذا جدوبة، وكذا وكذا خِصْبا، وما يريد أن يصنع، وما يريد أن يبتدئ تبارك وتعالى، فنزلت الجنّ، فأوحوا إلى أوليائهم من الإنس، مما يكون في الأرض، فبيناهم كذلك، إذ بعث الله النبيّ ﷺ، فزجرت الشياطين عن السماء ورَمَوهم بكواكب، فجعل لا يصعُد أحد منهم إلا احترق، وفزع أهل الأرض لِمَا رأوا في الكواكب، ولم يكن قبل ذلك، وقالوا : هلك مَنْ في السماء، وكان أهل الطائف أوّل من فزع، فينطلق الرجل إلى إبله، فينحَر كلّ يوم بعيرا لآلهتهم، وينطلق صاحب الغنم، فيذبح كلّ يوم شاة، وينطلق صاحب البقر، فيذبح كلّ يوم بقَرة، فقال لهم رجل : ويْلَكم لا تُهْلكوا أموالكم، فإن معالمكم من الكواكب التي تهتدون بها لم يسقط منها شيء، فأقلعوا وقد أسرعوا في أموالهم. وقال إبليس : حدث في الأرض حدث، فأتي من كلّ أرض بتربة، فجعل لا يؤتي بتربة أرض إلا شمها، فلما أتي بتربة تهامة قال : ههنا حدث الحدث، وصرف الله إليه نفرا من الجنّ وهو يقرأ القرآن، فقالوا : إنّا سَمِعْنا قُرآنا عَجَبا حتى ختم الآية، فولّوا إلى قومهم منذرين.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عُروة، عن عائشة أنها قالت : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«إنّ المَلائِكَةَ تَنْزِلُ فِي العَنان وَهُوَ السّحابُ فَتَذْكُرُ ما قُضِيَ فِي السّماءِ، فَتَسْتَرِقُ الشّياطِينُ السّمْعَ، فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إلى الكُهّانِ، فَيَكْذِبُونَ مَعَها مِئَةَ كِذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أنْفُسهِمْ ».
فهذه الأخبار تنبئ عن أن الشياطين تسمع، ولكنها تُرْمى بالشهب لئلا تسمع. فإن ظنّ ظانّ أنه لما كان في الكلام «إلى »، كان التسمع أولى بالكلام من السمع، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظنّ، وذلك أن العرب تقول : سمعت فلانا يقول كذا، وسمعت إلى فلان يقول كذا، وسمعت من فلان.
وتأويل الكلام : إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب. وحفظا من كلّ شيطان مارد أن لا يسّمّع إلى الملإ الأعلى، فحذفت «إن » اكتفاء بدلالة الكلام عليها، كما قيل : كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به بمعنى : أن لا يؤمنوا به ولو كان مكان «لا » أن، لكان فصيحا، كما قيل : يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمْ أنْ تَضِلّوا بمعنى : أن لا تضلوا، وكما قال : وألْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ بمعنى : أن لا تميد بكم. والعرب قد تجزم مع «لا » في مثل هذا الموضع من الكلام، فتقول : ربطت الفرس لا يَنْفَلِتْ، كما قال بعض بني عُقَيل :
وَحتى رأَيْنا أحْسَنَ الوُدّ بَيْنَنامُساكَنَةً لا يَقْرِفِ الشّرّ قارِفُ
ويُروي : لا يقرف رفعا، والرفع لغة أهل الحجاز فيما قيل : وقال قتادة في ذلك ما :
حدثني بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة لا يَسّمّعُونَ إلى المَلإِ الأَعْلَى قال : منعوها. ويعني بقوله : إلى المَلإِ : إلى جماعة الملائكة التي هم أعلى ممن هم دونهم.
وقوله : وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلّ جانِبٍ دُحُورا ويُرْمَوْن من كلّ جانب من جوانب السماء دُحُورا والدحور : مصدر من قولك : دَحَرْته أدحَرُه دَحْرا ودُحورا، والدّحْر : الدفع والإبعاد، يقال منه : ادْحَرْ عنك الشيطان : أي ادفعه عنك وأبعده. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلّ جانِبٍ دُحُورا قذفا بالشهب.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : وَيُقْذَفُونَ يُرمَوْن مِنْ كُلّ جانِبٍ قال : من كلّ مكان. وقوله : دُحُورا قال : مطرودين.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلّ جانبٍ دُحُورا قال : الشياطين يدحرون بها عن الاستماع، وقرأ وقال :«إلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السّمْعَ فأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ ».
وقوله : ولَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ يقول تعالى ذكره : ولهذه الشياطين المسترِقة السمع عذاب من الله واصب.
واختلف أهل التأويل في معنى الواصب، فقال بعضهم : معناه : الموجع. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا ابن أبي زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ قال : موجع.
وحدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، في قوله : عَذَابٌ وَاصِبٌ قال : الموجع.
وقال آخرون : بل معناه : الدائم. ذكر من ق

تفسير هذه الآية من كتب أخرى