بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي
عن الكتاب
قوله عز وجل :﴿تتجافى جُنُوبُهُمْ﴾ قال مقاتل : نزلت في الأنصار. كانت منازلهم بعيدة من المسجد. فإذا صلوا المغرب كرهوا أن ينصرفوا، مخافة أن تفوتهم صلاة العشاء في الجماعة. فكانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء. ويقال :" الذي يصلي العشاء والفجر بجماعة ". وقال أنس بن مالك : الذي يصلي ما بين المغرب والعشاء وهو صلاة الليل " كما جاء في الخبر. قال النبي ﷺ :«رَكْعَةٌ فِي اللَّيْلِ خَيْرٌ مِنْ ألْفِ رَكْعَةٍ فِي النَّهَارِ ». قال أبو الليث رحمه الله : حدثنا الخليل بن أحمد. قال : حدثنا السراج. قال : حدثنا إبراهيم بن إسحاق عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد العبسية عن رسول الله ﷺ أنه قال :«يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فيسِمعهمُ الدَّاعِي وَيَنْقُدُهُمْ البَصَرُ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ سَيَعْلَمُ أَهْلُ الجَمْعِ اليَوْمَ مَنْ أوْلَى بِالكَرَمِ. فَأيْنَ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَى كُلِّ حَالٍ ؟ فَيَقُومُونَ وَهُمْ قَلِيلٌ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابِ. ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ : أَيْنَ الَّذِينَ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله ؟ فَيَقُومُونَ، وَهُمْ قَلِيلٌ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ : أيْنَ الَّذِينَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ ؟ فَيَقُومُونَ، وَهُمْ قَلِيلٌ فَيَدْخَلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. ثُمَّ يُؤْمَرُ بِسَائِرِ النَّاسِ فَيُحَاسَبُونَ ». فذلك قوله عز وجل :﴿تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع﴾ يعني : يصلون بالليل ويقومون عن فرشهم ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ ﴿خوفاً﴾ من عذابه، ﴿وطمعاً﴾ في رحمته ﴿وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ﴾ يعني : يتصدقون من أموالهم. يعني : صدقة التطوع، لأنه قرية كصلاة التطوع. ويقال : يعني : الزكاة المفروضة. والأول أراد به العشاء والفجر.