غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
وإنما قيل ههنا ﴿عذاب النار الذي كنتم به﴾ وفي " سبأ " ﴿عذاب النار التي كنتم بها﴾
[ الآية : ٤٢ ] لأن النار في هذه السورة وقعت موقع الكناية لتقدم ذكرها، والكنايات لا توصف فوصف العذاب. وفي " سبأ " لم يتقدم ذكر النار فحسن وصف النار.
وتكذيبهم العذاب هو أنهم كانوا يقولون في الدنيا إنه لا عذاب في الآخرة، ويحتمل أن يراد بالتكذيب أنهم يقولون في الآخرة أول ما تأخذهم النار أنه لا عذاب فوق ما نحن فيه، فإذا زاد الله لهم ألماً على ألم وهو قوله ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها﴾ صاروا كاذبين فيما زعموا أنه لا عذاب أزيد مما هم فيه، وعلى هذا يمكن أن يراد بالخروج منها والإعادة فيها هو أن أبدانهم تألف النار وتتعودها فيقل الإحساس بها فيعيد الله عليهم إحساسهم الأول فيزيد تألمهم، ومن هنا قالت الحكماء : إن الإحساس بحرارة حمى الدق أقل من الإحساس بحرارة الحمى البلغمية مع أن نسبة الدق إلى الثانية نسبة النار إلى الماء المسخن، ونظيره أن الإنسان يضع يده في الماء البارد فيتألم أولاً، ثم إذا صبر زماناً طويلاً زال ذلك الألم وذلك لبطلان حسه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : الألف المحبون لقربي والعارفون بتمجيدي فلا يصبرون عني ولا يستأنسون بغيري. اللام الأحباء لي مدخر لقائي فلا أبالي أقاموا على وثاقي أم قصروا في وفائي. الميم ترك أوليائي مرادهم فلذلك اخترتهم على جميع عبادي ﴿تنزيل الكتاب﴾ أعز الأشياء على الأحباب كتاب الأحباب أنزله ﴿رب العالمين﴾ لأهل الظاهر على ظاهرهم ولأهل الباطن في باطنهم فاستناروا بنوره وتكلموا بالحق عن الحق للحق فلم يفهمه أهل الغرة والغفلة فقالوا ﴿افتراه﴾. خلق سموات الأرواح وأرض الأشباح وما بينهما من النفس والقلب والسر في ستة أجناس هي : الجماد والمعدن والنبات والحيوان والشيطان والملك ﴿ثم استوى على العرش﴾ الخفي وهو لطيفه ربانية قابلة للفيض الرباني بلا واسطة ﴿فلا تتذكرون﴾ كيف خلقكم في أطوار مختلفة ﴿يدبر الأمر﴾ من سماء الروح إلى أرض النفس البدن ﴿ثم يعرج إليه﴾ النفس المخاطبة بخطاب
﴿ارجعي إلى ربك﴾ [الفجر: ٢٨] في يوم طلعت فيه شمس صدق الطلب، وأشرقت الأرض بنور جذبات الحق ﴿كان مقداره﴾ في العروج بالجذبة كألف سنة مما تعدون من أيامكم في السير من غير جذبة كما قال ﷺ " جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين " ﴿وبدأ خلق الإنسان من طين﴾ وخمره بيده في أربعين صباحاً فأودع في كل صباح خاصية نوع من أنواع عالم الشهادة ﴿ثم جعل نسله من سلالة﴾ سلها من أجناس عالم الشهادة. ﴿ثم سوَّاه﴾ شخص إنسان جديد المرآة ﴿ونفخ فيه من روحه﴾ فصار مرآة قابلة لإراءة صفات جماله وجلاله. ثم تجلى فيها بتجلية صفة السمعية والبصرية والعالمية التي مرآتها السمع والأبصار والأفئدة ﴿ضللنا﴾ في أرض البشرية ﴿يتوفاكم ملك الموت﴾ وهو المحبة الإلهية بقبض الأرواح من صفات الإنسانية ويميتها عن محبوباتها بجذبة ﴿ارجعي﴾ [الفجر: ٢٨] ﴿ناكسو رءوسهم﴾ بالتوجه إلى حضيض عالم الطبيعة كالأنعام بعد أن كانوا رافعي الرؤوس يوم الميثاق. ﴿تتجافى جنوب﴾ همتهم عن مضاجع الدارين ﴿جنات المأوى﴾ التي هي مأوى الأبرار تكون نزلاً للمقربين السائرين إلى الله ﴿كنتم به تكذبون﴾ لأنه لم يكن لكم به شعور في الدنيا لأنكم كنتم في يوم الغفلة والاشتغال بالمحسوسات ﴿العذاب الأدنى﴾ إذا وقعت للسالك فترة ووقفة لعجب تداخله أو لملالة وسآمة ابتلاه الله ببلاء في نفسه أو ماله أو مصيبة في أهاليه وأقربائه وأحبابه لعله ينتبه من نوم الغفلة ويدارك أيام العطلة قبل أن يذيقه العذاب الأكبر في الخذلان والهجران ﴿فلا تك في مرية من لقائه﴾ أي من أنه يرى الرب ببركة متابعتك حين قال : اللهم اجعلني من أمة محمد ﷺ فإن الرؤية مخصوصة بك وبتبعتك لأمتك. ويحتمل أن يكون الخطاب في فلاتك لموسى القلب والضمير في ﴿لقائه﴾ لله. وجعلنا موسى القلب هدى لبني إسرائيل صفات القلب ﴿وجعلناهم أئمة﴾ هم السر الخفي ﴿إن ربك هو يفصل بينهم﴾ الآية. لأنهم عنده أعز من أن يجعل حكمهم إلى أحد من المخلوقين، ولأنه أعلم بحالهم من غيرهم ولئلا يطلع على أحوالهم غيره لأنه خلقهم للمحبة والرحمة فينظر في شأنهم بنظر المحبة والرضا، لأنه عفوّ يفيض العفو والجود فتحيا به القلوب الميتة فيسقي حدائق وصلهم بعد جفاف عودها وزوال المأنوس من معهودها ﴿فنخرج به زرعاً﴾ من الواردات التي تصلح لتربية النفوس وهي الأنعام، ومن المشاهدات التي تصلح لتغذية القلوب. ويقول المنكرون لهذه الطائفة ﴿متى هذا الفتح﴾ أي الفتوح التي تدعونها قل لا ينفعكم ذلك إذ لم تقتدوا بهم ولم تهتدوا بهديهم ﴿فأعرض عنهم﴾ أيها الطالب بالإقبال علينا وبالله التوفيق.
[ الآية : ٤٢ ] لأن النار في هذه السورة وقعت موقع الكناية لتقدم ذكرها، والكنايات لا توصف فوصف العذاب. وفي " سبأ " لم يتقدم ذكر النار فحسن وصف النار.
وتكذيبهم العذاب هو أنهم كانوا يقولون في الدنيا إنه لا عذاب في الآخرة، ويحتمل أن يراد بالتكذيب أنهم يقولون في الآخرة أول ما تأخذهم النار أنه لا عذاب فوق ما نحن فيه، فإذا زاد الله لهم ألماً على ألم وهو قوله ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها﴾ صاروا كاذبين فيما زعموا أنه لا عذاب أزيد مما هم فيه، وعلى هذا يمكن أن يراد بالخروج منها والإعادة فيها هو أن أبدانهم تألف النار وتتعودها فيقل الإحساس بها فيعيد الله عليهم إحساسهم الأول فيزيد تألمهم، ومن هنا قالت الحكماء : إن الإحساس بحرارة حمى الدق أقل من الإحساس بحرارة الحمى البلغمية مع أن نسبة الدق إلى الثانية نسبة النار إلى الماء المسخن، ونظيره أن الإنسان يضع يده في الماء البارد فيتألم أولاً، ثم إذا صبر زماناً طويلاً زال ذلك الألم وذلك لبطلان حسه.
﴿ارجعي إلى ربك﴾ [الفجر: ٢٨] في يوم طلعت فيه شمس صدق الطلب، وأشرقت الأرض بنور جذبات الحق ﴿كان مقداره﴾ في العروج بالجذبة كألف سنة مما تعدون من أيامكم في السير من غير جذبة كما قال ﷺ " جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين " ﴿وبدأ خلق الإنسان من طين﴾ وخمره بيده في أربعين صباحاً فأودع في كل صباح خاصية نوع من أنواع عالم الشهادة ﴿ثم جعل نسله من سلالة﴾ سلها من أجناس عالم الشهادة. ﴿ثم سوَّاه﴾ شخص إنسان جديد المرآة ﴿ونفخ فيه من روحه﴾ فصار مرآة قابلة لإراءة صفات جماله وجلاله. ثم تجلى فيها بتجلية صفة السمعية والبصرية والعالمية التي مرآتها السمع والأبصار والأفئدة ﴿ضللنا﴾ في أرض البشرية ﴿يتوفاكم ملك الموت﴾ وهو المحبة الإلهية بقبض الأرواح من صفات الإنسانية ويميتها عن محبوباتها بجذبة ﴿ارجعي﴾ [الفجر: ٢٨] ﴿ناكسو رءوسهم﴾ بالتوجه إلى حضيض عالم الطبيعة كالأنعام بعد أن كانوا رافعي الرؤوس يوم الميثاق. ﴿تتجافى جنوب﴾ همتهم عن مضاجع الدارين ﴿جنات المأوى﴾ التي هي مأوى الأبرار تكون نزلاً للمقربين السائرين إلى الله ﴿كنتم به تكذبون﴾ لأنه لم يكن لكم به شعور في الدنيا لأنكم كنتم في يوم الغفلة والاشتغال بالمحسوسات ﴿العذاب الأدنى﴾ إذا وقعت للسالك فترة ووقفة لعجب تداخله أو لملالة وسآمة ابتلاه الله ببلاء في نفسه أو ماله أو مصيبة في أهاليه وأقربائه وأحبابه لعله ينتبه من نوم الغفلة ويدارك أيام العطلة قبل أن يذيقه العذاب الأكبر في الخذلان والهجران ﴿فلا تك في مرية من لقائه﴾ أي من أنه يرى الرب ببركة متابعتك حين قال : اللهم اجعلني من أمة محمد ﷺ فإن الرؤية مخصوصة بك وبتبعتك لأمتك. ويحتمل أن يكون الخطاب في فلاتك لموسى القلب والضمير في ﴿لقائه﴾ لله. وجعلنا موسى القلب هدى لبني إسرائيل صفات القلب ﴿وجعلناهم أئمة﴾ هم السر الخفي ﴿إن ربك هو يفصل بينهم﴾ الآية. لأنهم عنده أعز من أن يجعل حكمهم إلى أحد من المخلوقين، ولأنه أعلم بحالهم من غيرهم ولئلا يطلع على أحوالهم غيره لأنه خلقهم للمحبة والرحمة فينظر في شأنهم بنظر المحبة والرضا، لأنه عفوّ يفيض العفو والجود فتحيا به القلوب الميتة فيسقي حدائق وصلهم بعد جفاف عودها وزوال المأنوس من معهودها ﴿فنخرج به زرعاً﴾ من الواردات التي تصلح لتربية النفوس وهي الأنعام، ومن المشاهدات التي تصلح لتغذية القلوب. ويقول المنكرون لهذه الطائفة ﴿متى هذا الفتح﴾ أي الفتوح التي تدعونها قل لا ينفعكم ذلك إذ لم تقتدوا بهم ولم تهتدوا بهديهم ﴿فأعرض عنهم﴾ أيها الطالب بالإقبال علينا وبالله التوفيق.