الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ : هي المنقطعةُ، والإِضرابُ انتقالٌ لا إبطالٌ.
قوله :﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ﴾ إضرابٌ ثانٍ. ولو قيل بأنَّه إضرابُ إبطالٍ لنفسِ " افتراه " وحدَه لكان صواباً، وعلى هذا يُقال : كلُّ ما في القرآنِ إضرابٌ فهو انتقالٌ إلاَّ هذا، فإنه يجوزُ أَنْ يكونَ إبطالاً ؛ لأنه إبطالٌ لقولِهم أي : ليس هو كما قالوا مفترى بل هو الحقُّ. وفي كلامِ الزمخشريِّ ما يُرْشِدُ إلى هذا فإنه قال :" والضميرُ في " فيه " راجعٌ إلى مضمونِ الجملة. كأنه قيل : لا ريبَ في ذلك، أي : في كونِه مِنْ رب العالمين. ويَشْهَدُ لِوجاهَتِه قولُه :﴿أَمْ يَقُولُونَ : افْتَرَاهُ﴾ ؛ لأنَّ قولهم " هذا مفترى " إنكارٌ لأَنْ يكونَ مِنْ ربِّ العالمين، وكذلك قوله :﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ وما فيه تقريرٌ أنه من عندِ الله. وهذا أسلوبٌ صحيحٌ مُحْكَمٌ ".
قوله :" مِنْ ربِّك " حالٌ من " الحقّ " والعاملُ فيه محذوفٌ على القاعدة، وهو العاملُ في " لِتُنْذِرَ " أيضاً، ويجوزُ أَنْ يكونَ العاملُ في " لتنذر " غيرَه أي : أنزله لِتنذِرَ.
قوله :﴿قَوْماً مَّآ أَتَاهُم﴾ الظاهرُ أنَّ المفعولَ الثاني للإِنذار محذوفٌ. و " قوماً " هو الأولُ ؛ إذ التقديرُ : لتنذِرَ قوماً العقابَ، و " ما أتاهم " جملةٌ منفيَّةٌ في محلِّ نصبٍ صفةً ل " قوماً " يريد : الذين في الفترةِ بين عيسى ومحمدٍ عليهما السلام. وجعله الزمخشري كقوله :﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] فعلى هذا يكونُ " مِنْ نذير " هو فاعلَ " أتاهم " و " مِنْ " مزيدةٌ فيه. و " مِنْ قبلِك " صفةٌ لنذير. ويجوزُ أَنْ تتعلَّقَ " مِنْ قبلك " ب " أَتاهم ".
وجَوَّزَ الشيخُ أَنْ تكونَ " ما " موصولةً في الموضعين، والتقدير : لتنذِرَ قوماً العقابَ الذي أتاهم مِنْ نذيرٍ مِنْ قبلك. و " مِنْ نذير " متعلقٌ ب " أَتاهم " أي : أتاهم على لسانِ نذيرٍ مِنْ قبلِك، وكذلك ﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] أي : العقابَ الذي أُنْذِرَه آباؤهم. ف " ما " مفعولةٌ في الموضعين، و " لِتُنْذرَ " يتعدَّى إلى اثنين. قال تعالى :﴿فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ [فصلت: ١٣]. وهذا القولُ جارٍ على ظواهر القرآن. قال تعالى :﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]
﴿أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾
[المائدة: ١٩]. قلت : وهذا الذي قاله ظاهرٌ.
ويظهر أنَّ في الآية الأخرى وجهاً آخرَ : وهو أَنْ تكونَ " ما " مصدريةً تقديرُه : لتنذِرَ قوماً إنذاراً مثلَ إنذارِ آبائِهم ؛ لأنَّ الرسلَ كلَّهم متفقون على كلمة الحق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى