الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ : الاستفهامُ إذا دخل على النفي قَرَّره، فصار المعنى : قد شَرَحْنا، ولذلك عَطَفَ عليه الماضي. ومثلُه ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ﴾ [الشعراء: ١٨]. والعامَّةُ على جزمِ الحاء ب " لم " وقرأ أبو جعفر بفتحها. وقال الزمخشري :" وقالوا : لعلَّة بَيَّنَ الحاءَ وأشبعها في مَخْرَجِها، فظنَّ السامعُ أنه فتحها " وقال ابن عطية :" إنَّ الأصلَ : ألم نَشْرَحَنْ " بالنونِ الخفيفةِ، ثم أَبْدَلَها ألفاً، ثم حَذَفَها تخفيفاً، كما أنشد أبو زيد :
مِنْ أيِّ يَوْمَيَّ من الموتِ أفِرّْأيومَ لم يُقْدَرَ أم يومَ قُدِرْ
بفتح راء " لم يُقْدَرَ " وكقولِه :
اضْرِبَ عنكَ الهمومَ طارِقَهاضَرْبَكَ بالسيفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
بفتح باء " اضربَ " انتهى. وهذا مبنيٌ على جوازِ توكيدِ المجزومِ ب لم، وهو قليلٌ جداً، كقولِه :
يَحْسَبُه الجاهلُ ما لم يَعْلماشيخاً على كُرْسِيِّه مُعَمَّما
فتتركبُ هذه القراءةُ مِنْ ثلاثةِ أصولٍ كلُّها ضعيفةٌ ؛ لأنَّ توكيدَ المجزومِ ب " لم " ضعيفٌ، وإبدالُها أَلِفاً إنما هو الوقف، وإجراءُ الوصلِ مُجْرى / الوقفِ خِلافُ الأصلِ، وحَذْفُ الألفِ ضعيفٌ، لأنه خلافُ الأصلِ. وخَرَّجه الشيخُ على لغةٍ حكاها اللحيانيُّ في " نوادره " عن بعضِ العربِ وهو الجزمُ ب " لن "، والنصبُ ب " لم " عكسَ المعروفِ عند الناس، وجعله أَحْسَنَ ممَّا تقدَّم. وأنشد قولَ عائشةَ بنتِ الأعجم تمدح المختار وهو القائمُ بطَلَبِ ثأر الحسين بن علي رضي الله عنهما :
قد كادَ سَمْكُ الهُدى يُنْهَدُّ قائمُهُحتى أتيحَ له المختارُ فانْعَمدا
في كلِّ ما هَمَّ أمضى رأيَه قُدُماًولم يُشاوِرَ في إقدامِه أحدا
بنَصْبِ راء " يُشاور " وجَعَله محتمِلاً للتخريجَيْنِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى