تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين
عن الكتاب
قال الله سبحانه وتعالى مبيناً نعمته على نبيه محمد صلى الله عليه وسلّم :﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ هذا الاستفهام يقول العلماء إنه استفهام تقرير، واستفهام التقرير يرد في القرآن كثيراً، ويقدّر الفعل بفعل ماضٍ مقرون بقد. ففي قوله ﴿ألم نشرح لك﴾ يقدّر بأن المعنى قد شرحنا لك صدرك ؛ لأن الله يقرر أنه شرح له صدره، وهكذا جميع ما يمر بك من استفهام التقرير فإنه يقدر بفعل ماضٍ مقرون بقد، أما كونه يقدر بفعل ماضٍ ؛ فلأنه قد تم وحصل، وأما كونه مقروناً بقد ؛ فلأن قد تفيد التحقيق إذا دخلت على الماضي، وتفيد التقليل إذا دخلت على المضارع، وقد تفيد التحقيق، ففي قول الناس :( قد يجود البخيل ) قد هذه للتقليل، لكن في قوله تعالى :﴿قد يعلم ما أنتم عليه﴾ [النور: ٦٤]. هذه للتحقيق ولا شك. يقول الله تعالى :﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ أي : نوسعه، وهذا الشرح شرح معنوي ليس شرحاً حسيًّا، وشرح الصدر أن يكون متسعاً لحكم الله عز وجل بنوعيه، حكم الله الشرعي وهو الدين، وحكم الله القدري وهو المصائب التي تحدث على الإنسان ؛ وذلك لأن الشرع فيه مخالفة للهوى فيجد الإنسان ثقلاً في تنفيذ أوامر الله، وثقلاً في اجتناب محارم الله، لأنه مخالف لهوى النفس، والنفس الأمارة بالسوء لا تنشرح لأوامر الله ولا لنواهيه، تجد بعض الناس تثقل عليه الصلاة كما قال الله تعالى في المنافقين :﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾ [النساء: ١٤٢]. ومن الناس من تخف عليه الصلاة بل يشتاق إليها ويترقب حصولها كما قال النبي عليه الصلاة والسلام :«جعلت قرة عيني في الصلاة »، إذاً فالشرع فيه ثقل على النفوس، كاجتناب المحرمات، فبعض الناس يهوى أشياء محرمة عليه كالزنا وشرب الخمر وما أشبه ذلك فتثقل عليه، ومن الناس من ينشرح صدره لذلك ويبتعد عما حرم الله، وانظر إلى يوسف عليه الصلاة والسلام لما دعته امرأة العزيز بعد أن غلقت الأبواب وقالت : هيت لك وتهيأت له بأحسن ملبس وأحسن صورة، والمكان آمن أن يدخل أحد، غلقت الأبواب، وقالت : هيت لك، قال : معاذ الله، استعاذ بربه لأن هذه حال حرجة، شاب وامرأة العزيز، ومكان خالٍ وآمن، والإنسان بشر ربما تسوّل له نفسه أن يفعل ولهذا قال :﴿ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه﴾ [ يوسف ]. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال :«سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال : إني أخاف الله، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه »، والشاهد من هذا قوله :«رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله » فشرح الصدر للحكم الشرعي معناه قبول الحكم الشرعي والرضا به وامتثاله، وأن يقول القائل : سمعنا وأطعنا، وأنت بنفسك أحياناً تجد قلبك منشرحاً للعبادة تفعلها بسهولة وانقياد وطمأنينة ورضا، وأحياناً بالعكس لولا خوفك من الإثم ما فعلت، فإذا كان هذا الاختلاف في الشخص الواحد فما بالك بالأشخاص.
وأما انشراح الصدر للحكم القدري، فالإنسان الذي شرح الله صدره للحكم الكوني تجده راضياً بقضاء الله وقدره، مطمئناً إليه، يقول : أنا عبد، والله رب يفعل ما يشاء، هذا الرجل الذي على هذه الحال سيكون دائماً في سرور لا يغتم ولا يهتم، هو يتألم لكنه لا يصل إلى أن يحمل هَمًّا أو غمًّا ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :«عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له »، إذاً شرح الصدر يعني توسعته وتهيئته لأحكام الله الشرعية والقدرية، لا يضيق بأحكام الله ذرعاً إطلاقاً، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلّم له الحظ الأوفر من ذلك، ولهذا تجده أتقى الناس لله، وأشدهم قياماً بطاعة الله، وأكثرهم صبراً على أقدار الله، ماذا فعل الناس به حين قام بالدعوة ؟ وماذا يصيبه من الأمراض ؟ حتى إنه يوعك كما يوعك الرجلان منا يعني من المرض يشدد عليه يعني كرجلين منا، فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو يوعك، فقلت : يا رسول الله إنك توعك وعكاً شديداً، قال :«أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم ». وحتى أنه شدد عليه عند النزع عند الموت عليه الصلاة والسلام حتى يفارق الدنيا وهو أصبر الصابرين، والصبر درجة عالية لا تنال إلا بوجود شيء يصبر عليه، أما الشيء اليسير البارد فلا صبر عليه، لهذا نجد الأنبياء أكثر الناس بلاء ثم الصالحين الأمثل فالأمثل.
﴿ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك﴾ قد يقول قائل : إن بين الجملتين تنافرا، الجملة الأولى فعل مضارع ﴿نشرح﴾ والثانية فعل ماض ﴿وضعنا﴾ لكن بناء على التقرير الذي قلت وهو أن ﴿ألم نشرح﴾ بمعنى قد شرحنا يكون عطف ووضعنا عطفه على نظيره ومثيله.
﴿ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك﴾ قد يقول قائل : إن بين الجملتين تنافرا، الجملة الأولى فعل مضارع ﴿نشرح﴾ والثانية فعل ماض ﴿وضعنا﴾ لكن بناء على التقرير الذي قلت وهو أن ﴿ألم نشرح﴾ بمعنى قد شرحنا يكون عطف ووضعنا عطفه على نظيره ومثيله.
وأما انشراح الصدر للحكم القدري، فالإنسان الذي شرح الله صدره للحكم الكوني تجده راضياً بقضاء الله وقدره، مطمئناً إليه، يقول : أنا عبد، والله رب يفعل ما يشاء، هذا الرجل الذي على هذه الحال سيكون دائماً في سرور لا يغتم ولا يهتم، هو يتألم لكنه لا يصل إلى أن يحمل هَمًّا أو غمًّا ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :«عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له »، إذاً شرح الصدر يعني توسعته وتهيئته لأحكام الله الشرعية والقدرية، لا يضيق بأحكام الله ذرعاً إطلاقاً، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلّم له الحظ الأوفر من ذلك، ولهذا تجده أتقى الناس لله، وأشدهم قياماً بطاعة الله، وأكثرهم صبراً على أقدار الله، ماذا فعل الناس به حين قام بالدعوة ؟ وماذا يصيبه من الأمراض ؟ حتى إنه يوعك كما يوعك الرجلان منا يعني من المرض يشدد عليه يعني كرجلين منا، فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو يوعك، فقلت : يا رسول الله إنك توعك وعكاً شديداً، قال :«أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم ». وحتى أنه شدد عليه عند النزع عند الموت عليه الصلاة والسلام حتى يفارق الدنيا وهو أصبر الصابرين، والصبر درجة عالية لا تنال إلا بوجود شيء يصبر عليه، أما الشيء اليسير البارد فلا صبر عليه، لهذا نجد الأنبياء أكثر الناس بلاء ثم الصالحين الأمثل فالأمثل.
﴿ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك﴾ قد يقول قائل : إن بين الجملتين تنافرا، الجملة الأولى فعل مضارع ﴿نشرح﴾ والثانية فعل ماض ﴿وضعنا﴾ لكن بناء على التقرير الذي قلت وهو أن ﴿ألم نشرح﴾ بمعنى قد شرحنا يكون عطف ووضعنا عطفه على نظيره ومثيله.
﴿ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك﴾ قد يقول قائل : إن بين الجملتين تنافرا، الجملة الأولى فعل مضارع ﴿نشرح﴾ والثانية فعل ماض ﴿وضعنا﴾ لكن بناء على التقرير الذي قلت وهو أن ﴿ألم نشرح﴾ بمعنى قد شرحنا يكون عطف ووضعنا عطفه على نظيره ومثيله.