المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقولهم ﴿من المسحرين﴾ فيه تأويلان : أحدهما مأخوذ من السَّحر بكسر السين أي قد سحرت فأنت لذلك مخبول لا تنطق بقويم، والثاني أنه مأخوذ من السِّحر بفتح السين وهي الرئة وبسببها يقال انفتح سحره. وقيل السحر قصبة الرئة بما يتعلق بها من كبد وغيره، أي أنت ابن آدم لا يصح أن تكون رسولاً عن الله، وما بعده في الآية يقوي هذا التأويل(١) ومن اللفظة قول لبيد :[ الطويل ]
فإن تسألينا فيم نحن فإننا. . . عصافير من هذا الأنام المسحر(٢)
ويقال للاغتداء التسحير ومنه قول امرىء القيس :
«ونسحر بالطعام وبالشراب »(٣). . .
١ وهو قوله تعالى: ﴿ما أنت إلا بشر مثلنا﴾، ومن الغريب أن أبا حيان قال بعد ذكره هذا التأويل: "ويضعف هذا القول قولهم بعد: ﴿ما أنت إلا بشر مثلنا﴾، إذ تكون هذه الجملة توكيدا لما قبلها، والأصل التأسيس"..
٢ البيت من قصيدة له يذكر فيها من مات من قومه، ويتأمل سطوة الموت وضعف الإنسان أمامه، ومطلعها:
أعاذل قومي فاعذلي الآن أو ذري فلست وإن أقصرت عني بمقصر
وهو من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن، قال : وكل من أكل من إنس أو دابة فهو مسحر، وذلك أن له سحرا يقري فيه ما أكل. وعصافير معناها: ضعاف..

٣ هذا عجز بيت، وهو مطلع قصيدة له، والبيت بتمامه:
أرانا موضعين لأمر غيب ونسحر بالطعام وبالشراب
وقد ذكره صاحب اللسان في مادة (سحر) شاهدا على أن السحر هو الغذاء، وموضعين: مسرعين، ولأمر غيب: للموت، ونسحر: نغذى، أو نلهى عن الموت بالطعام وبالشراب، ومن اللطيف أنه في البيت التالي يصف الناس بأنهم عصافير فيلتقي في ذلك بلبيد، قال:
عصافير وذبان ودود وأجرأ من مجلحة الذئاب
والمجلحة: هي المقدمة على الأمر إقداما شديدا، والهاجمة على الناس، فهم مع ضعفهم كأنهم العصافير أو الديدان يفعلون فعل الذئاب المجلحة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى