جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
وقوله : وَلَوْ نَزّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ يقول تعالى ذكره : ولو نزّلنا هذا القرآن على بعض البهائم التي لا تنطق، وإنما قيل على بعض الأعجميين، ولم يقل على بعض الأعجمين، لأن العرب تقول إذا نعتت الرجل بالعُجمة وأنه لا يفصح بالعربية : هذا رجل أعْجم، وللمرأة : هذه امرأة عَجْماء، وللجماعة : هؤلاء قوم عُجْم وأعجمون، وإذا أريد هذا المعنى وصف به العربيّ والأعْجَميّ، لأنه إنما يعني أنه غير فصيح اللسان، وقد يكون كذلك، وهو من العرب ومن هذا المعنى قول الشاعر :
فأما إذا أريد به نسبة الرجل إلى أصله من العجم، لا وصفه بأنه غير فصيح اللسان، فإنه يقال : هذا رجل عجميّ، وهذان رجلان عجميان، وهؤلاء قوم عَجَم، كما يقال : عربيّ، وعربيان، وقوم عرب. وإذا قيل : هذا رجل أعجميّ، فإنما نسب إلى نفسه كما يقال للأحمر : هذا أحمري ضخم، وكما قال العجاج :
*** والدّهْرَ بالإِنْسانِ دَوّارِيّ ***
ومعناه : دوّار، فنسبه إلى فعل نفسه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، عن محمد بن أبي موسى، قال : كنت واقفا إلى جنب عبد الله بن مطيع بعرفة، فتلا هذه الآية : وَلَوْ نَزّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعجْمَينَ. فقَرأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ قال : لو نزل على بعيري هذا فتكلم به ما آمنوا به لقَالُوا : لَوْلاَ فُصّلَتْ آيَاتُهُ حتى يفقهه عربيّ وعجميّ، لو فعلنا ذلك.
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : سمعت داود بن أبي هند، عن محمد بن أبي موسى، قال : كان عبد الله بن مطيع واقفا بعرفة، فقرأ هذه الاَية وَلَوْ نَزّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ فقرأه عليهم، قال : فقال : جملي هذا أعجم، فلو أُنزل على هذا ما كانوا به مؤمنين. ورُوي عن قِتادة في ذلك ما.
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة وَلَوْ نَزّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ قال : لو نزله الله أعجميا كانوا أخسر الناس به، لأنهم لا يعرفون بالعجمية.
وهذا الذي ذكرناه عن قتادة قول لا وجه له، لأنه وجّه الكلام أن معناه : ولو أنزلناه أعجميا، وإنما التنزيل وَلَوْ نَزّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمينَ يعني : ولو نزّلنا هذا القرآن العربيّ علي بهيمة من العجم أو بعض ما لا يفصح، ولم يقل : ولو نزّلناه أعجميا. فيكون تأويل الكلام ما قاله.
| مِنْ وَائِلٍ لا حَيّ يَعْدِلُهُمْ | مِنْ سُوقَةٍ عَرَبٌ وَلا عُجْمُ |
*** والدّهْرَ بالإِنْسانِ دَوّارِيّ ***
ومعناه : دوّار، فنسبه إلى فعل نفسه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، عن محمد بن أبي موسى، قال : كنت واقفا إلى جنب عبد الله بن مطيع بعرفة، فتلا هذه الآية : وَلَوْ نَزّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعجْمَينَ. فقَرأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ قال : لو نزل على بعيري هذا فتكلم به ما آمنوا به لقَالُوا : لَوْلاَ فُصّلَتْ آيَاتُهُ حتى يفقهه عربيّ وعجميّ، لو فعلنا ذلك.
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : سمعت داود بن أبي هند، عن محمد بن أبي موسى، قال : كان عبد الله بن مطيع واقفا بعرفة، فقرأ هذه الاَية وَلَوْ نَزّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ فقرأه عليهم، قال : فقال : جملي هذا أعجم، فلو أُنزل على هذا ما كانوا به مؤمنين. ورُوي عن قِتادة في ذلك ما.
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة وَلَوْ نَزّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ قال : لو نزله الله أعجميا كانوا أخسر الناس به، لأنهم لا يعرفون بالعجمية.
وهذا الذي ذكرناه عن قتادة قول لا وجه له، لأنه وجّه الكلام أن معناه : ولو أنزلناه أعجميا، وإنما التنزيل وَلَوْ نَزّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمينَ يعني : ولو نزّلنا هذا القرآن العربيّ علي بهيمة من العجم أو بعض ما لا يفصح، ولم يقل : ولو نزّلناه أعجميا. فيكون تأويل الكلام ما قاله.