الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري
عن الكتابأَهَلْ رَأَوْنَا بِسَفْحِ الْقَاعِ ذِي الأَكَمِ ***
فإذا أدخلت حرف الجرّ على «من» فقدّر الهمزة قبل حرف الجرّ في ضميرك، كأنك تقول : أعلى من تنزّل الشياطين، كقولك : أعلى زيد مررت.
فإن قلت :﴿يُلْقُونَ﴾ ما محله ؟ قلت : يجوز أن يكون في محل النصب على الحال، أي : تنزل ملقين السمع، وفي محل الجرّ صفة لكل أفاك ؛ لأنه في معنى الجمع، وأن لا يكون له محل بأن يستأنف، كأن قائلاً قال : لم تنزل على الأفاكين ؟ فقيل : يفعلون كيت وكيت.
فإن قلت : كيف قيل :﴿وَأَكْثَرُهُمْ كاذبون﴾ بعد ما قضى عليهم أن كل واحد منهم أفاك ؟ قلت : الأفاكون هم الذين يكثرون الإفك، ولا يدل ذلك على أنهم لا ينطقون إلا بالإفك، فأراد أن هؤلاء الأفاكين قلّ من يصدق منهم فيما يحكي عن الجني ؛ وأكثرهم مفتر عليه.
فإن قلت :﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ العالمين﴾ [الشعراء: ١٩٢]، ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشياطين﴾ [الشعراء: ٢١٠]، ﴿هَلْ أُنَبّئُكُمْ على مَن تَنَزَّلُ الشياطين﴾ لم فرق بينهنّ وهنّ أخوات ؟ قلت : أريد التفريق بينهنّ بآيات ليست في معناهنّ، ليرجع إلى المجيء بهنّ وتطرية ذكر ما فيهنّ كرّة بعد كرّة : فيدل بذلك على أن المعنى الذي نزلن فيه من المعاني التي اشتدت كراهة الله لخلافها. ومثاله : أن يحدّث الرجل بحديث وفي صدره اهتمام بشيء منه وفضل عناية، فتراه يعيد ذكره ولا ينفك عن الرجوع إليه.