تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
وقوله :( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) قال أهل التفسير : هؤلاء شعراء المسلمين الذين كانوا يجيبون شعراء الجاهلية ويهجونهم، ويذبون عن النبي ﷺ وأصحابه، وينافحون عنهم، وهم مثل : حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب ابن مالك، ومن أشبههم.
وروى عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه أنه قال : يا رسول الله، ما تقول في الشعر ؟ فقال :«إن المسلم ليجاهد بيده ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما ترمونهم بالنبال »(١).
وروى شعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال لحسان بن ثابت :«أهجم - أو هاجهم - وروح القدس معك »(٢). ذكره البخاري في الصحيح. قال رضي الله عنه : أخبرنا بهذا المكي بن عبد الرزاق، حدثني جدي، أخبرنا الفربري، أخبرنا البخاري، أخبرنا حفص بن عمر عن شعبة. . . الخبر.
وعن عائشة - رضي الله عنه - أنها قالت : الشعر كلام، فمنه الحسن ومنه القبيح، فخذ الحسن ودع القبيح.
وروى أبي بن كعب عن النبي ﷺ أنه قال :«إن من الشعر لحكمة »(٣).
وعن بعضهم قال : الشعر أدنى درجات الرفيع، وأرفع درجات الدنيء.
وعن الشعبي أنه قال " كان أبو بكر - رضي الله عنه - يقول الشعر، وكان عمر - رضي الله عنه - يقول الشعر، وكان علي - رضي الله عنه - أشعر الثلاثة. وفي بعض التفاسير : أن قوله :( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) هم أبو بكر وعمر - رضي الله عنهم - وهو قول غريب.
وعن عبد الله بن مسعود أنه قال : إذا رأيت الشيخ ينشد الشعر في المسجد، فاقرع رأسه بالعصا.
وأما عبد الله بن عباس كان ينشد الشعر في المسجد ويستنشد، فروى أنه دعا عمر بن أبي ربيعة المخزومي واستنشده القصيدة التي أنشدها، في أوله.
أمن آل نعمى أنت غادٍ فمبكرغداة غدٍ أو رائح فمهجِّرُ
فأنشده ابن أبي ربيعة القصيدة إلى آخرها، وهي قريب من سبعين بيتا، ثم إن ابن عباس أعاد القصيدة جميعها، وكان حفظها لمرة واحدة ثم قال : ما رأيت أروى من عمر، ولا أعلم من علي. هذه الحكاية أوردها المبرد في مشكل القرآن.
قوله :( وذكروا الله كثيرا ) ظاهر المعنى.
وقوله :( وانتصروا من بعد ما ظلموا ) يعني : بجواب الكفار عن أشعارهم التي هجوا بها المسلمين، قال حسان بن ثابت :
هجوت محمدا فأجبت عنهوعند الله في ذاك الجزاء
فإن أبى ووالدتي وعرضيلعرض محمد منكم وقاء
وقوله :( وسيعلم الذين ظلموا ) أي : الكفار الذين هجوا المسلمين.
وقوله :( أي منقلب ينقلبون ) أي : أي مرجع يرجعون، وقرئ في الشاذ :" أي منفلت ينفلتون بالفاء من الإنفلات والوقوع في الشيء وقد ذكر أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - هذه الآية في وصية لعمر - رضي الله عنه - حين استخلفه، فروى أنه قال لعثمان - رضي الله عنه - أكتب : هذا ما عهد أبو بكر عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة، حين يؤمن الفاجر ويصدق الكاذب، إني استخلف عليكم عمر بن الخطاب، فإن بر وصدق فذلك ظني به، وإن غير وبدل فالخير أردت، ولا يعلم الغيب إلا الله، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
١ - رواه الإمام أحمد في مسنده (٣/٤٥٦)، (٦/٣٨٧)، والبخاري في تاريخه (٥/٣٠٤-٣٠٥). وعبد الرزاق في مصنفه (١١/٢٦٣ رقم ٢٠٥٠٠)، والطبراني في الكبير (١٩/٧٥-٧٦ رقم ١٥١)، وابن حبان في صحيحه (١١/٥-٦ رقم ٤٧٠٧)، والقضاعي في مسند الشهاب (٢/١٣٥ رقم ١٠٤٧). والبيهقي (١٠/٢٣٩) جميعهم من حديث كعب بنحوه مرفوعا. وقال الهيثمي في المجمع (٨/١٢٦): رواه أحمد بأسانيد، ورجال أحدهما رجال الصحيح..
٢ - متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه (٦/٣٥١) رقم ٣٢١٣، ٤١٢٣، ٤١٢٤، ٦١٥٣)، ومسلم (١٥/٦٨ رقم ٢٤٨٦)..
٣ - رواه البخاري (١٠/٥٥٣ رقم ٦١٤٥)، وأبو داود (٤/٣٠٣ رقم ٥٠١٠)، وابن ماجه (٢/رقم ٣٧٥٥)، وأحمد (٥/١٢٥)، وعبد الله في زوائده على المسند (٥/١٢٦)، والطيالسي (٧٦ رقم ٥٥٦، ٥٥٧). وعبد الرزاق في مصنفه (١١/٢٦٣ رقم ٢٠٣٩٩)، وابن أبي شيبة (٨/٦٩١)، والبيهقي (١٠/٢٣٧)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى