أحكام القرآن — ابن العربي
عن الكتاب
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٢٦:الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ :﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ : يَعْنِي مَا يَذْكُرُونَهُ فِي شِعْرِهِمْ من الْكَذِبِ فِي الْمَدْحِ وَالتَّفَاخُرِ، وَالْغَزَلِ وَالشَّجَاعَةِ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ فِي صِفَةِ السَّيْفِ :
فَهَذَا تَجَاوُزُ بَارِدٍ وَتَحَامُقُ جَاهِلٍ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ، وَكَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، وَحَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ نَزَلَ :﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ﴾ وَقَالُوا : هَلَكْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ :﴿إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا من بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ يَعْنِي ذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا فِي كَلَامِهِمْ، وَانْتَصَرُوا فِي رَدِّ الْمُشْرِكِينَ عَنْ هِجَائِهِمْ، كَقَوْلِ حَسَّانَ فِي أَبِي سُفْيَانَ :
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَنَسٍ. أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ يَقُولُ :
فَقَالَ عُمَرُ : يَا بْنَ رَوَاحَةَ ؛ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَبَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ الشِّعْرَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( خَلِّ عَنْهُ يَا عُمَرُ، فَإِنَّهُ أَسْرَعُ فِيهِمْ من نَضْحِ النَّبْلِ )، وَفِي رِوَايَةٍ :
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : من الْمَذْمُومِ فِي الشِّعْرِ التَّكَلُّمُ من الْبَاطِلِ بِمَا لَمْ يَفْعَلْهُ الْمَرْءُ ؛ رَغْبَةً فِي تَسْلِيَةِ النَّفْسِ، وَتَحْسِينِ الْقَوْلِ. رُوِيَ أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ نَضْلَةَ كَانَ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ :
فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ، وَقَالَ : إنِّي وَاَللَّهِ يَسُوءُنِي ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؛ مَا فَعَلْت شَيْئًا مِمَّا قُلْت، وَإِنَّمَا كَانَتْ فَضْلَةً من الْقَوْلِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى :﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَمَّا عُذْرُك فَقَدْ دَرَأَ عَنْك الْحَدَّ، وَلَكِنْ لَا تَعْمَلْ لِي عَمَلًا أَبَدًا.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : وَقَدْ كَشَفَ الْخَلِيفَةُ الْعَدْلُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَقِيقَةَ أَحْوَالِ الشُّعَرَاءِ، وَكَشَفَ سَرَائِرَهُمْ، وَانْتَحَى مَعَايِبَهُمْ فِي أَشْعَارِهِمْ، فَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا اُسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَفَدَتْ إلَيْهِ الشُّعَرَاءُ، كَمَا كَانَتْ تَفِدُ إلَى الْخُلَفَاءِ قَبْلَهُ، فَأَقَامُوا بِبَابِهِ أَيَّامًا لَا يَأْذَنُ لَهُمْ بِالدُّخُولِ، حَتَّى قَدِمَ عُدَيُّ بْنُ أَرْطَاةَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَانَتْ لَهُ مَكَانَةٌ فَتَعَرَّضَ لَهُ جَرِيرٌ، فَقَالَ :
فَقَالَ : نَعَمْ، أَبَا حَزْرَةَ وَنُعْمَى عَيْنٍ.
فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى عُمَرَ قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؛ إنَّ الشُّعَرَاءَ بِبَابِك، وَأَقْوَالُهُمْ بَاقِيَةٌ، وَسِهَامُهُمْ مَسْمُومَةٌ.
فَقَالَ عُمَرُ : مَا لِي وَلِلشُّعَرَاءِ ! قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مُدِحَ وَأَعْطَى، وَفِيهِ أُسْوَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. قَالَ : وَمَنْ مَدَحَهُ ؟ قَالَ : عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ، فَكَسَاهُ حُلَّةً قَطَعَ بِهَا لِسَانَهُ. قَالَ : نَعَمْ، فَأَنْشَدَهُ :
قَالَ : صَدَقْت، فَمَنْ بِالْبَابِ مِنْهُمْ ؟ قَالَ : ابْنُ عَمِّك عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الْقُرَشِيُّ. قَالَ : لَا قَرَّبَ اللَّهُ قَرَابَتَهُ، وَلَا حَيَّا وَجْهَهُ، أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِلُ :
فَلَيْتَ عَدُوَّ اللَّهِ تَمَنَّى لِقَاءَهَا فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ يَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا ؛ وَاَللَّهِ لَا دَخَلَ عَلَيَّ أَبَدًا. فَمَنْ بِالْبَابِ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْت ؟ قَالَ : جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ الْعُذْرِيُّ. قَالَ : هُوَ الَّذِي يَقُولُ :
فَمَا أَنَا فِي طُولِ الْحَيَاةِ بِرَاغِبٍ *** إذَا قِيلَ : قَدْ سَوِّي عَلَيْهَا صَفِيحُهَا
اُعْزُبْ بِهِ، فَلَا يَدْخُلُ عَلَيَّ أَبَدًا.
فَمَنْ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْت ؟ قَالَ : كُثَيِّرُ عَزَّةَ. قَالَ : هُوَ الَّذِي يَقُولُ :
اُعْزُبْ بِهِ.
فَمَنْ بِالْبَابِ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْت ؟ قَالَ : الْأَحْوَصُ الْأَنْصَارِيُّ. قَالَ : أَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَسْحَقَهُ، أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِلَ وَقَدْ أَفْسَدَ عَلَى رَجُلٍ من أَهْلِ الْمَدِينَةِ جَارِيَةً لَهُ حَتَّى هَرَبَتْ مِنْهُ قَالَ :
اُعْزُبْ بِهِ.
فَمَنْ بِالْبَابِ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْت ؟ قَالَ : هَمَّامُ بْنُ غَالِبٍ الْفَرَزْدَقُ. قَالَ : أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِلَ يَفْخَرُ بِالزِّنَا :
اُعْزُبْ بِهِ. فَوَاَللَّهِ لَا يَدْخُلُ عَلَيَّ أَبَدًا.
فَمَنْ بِالْبَابِ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْت ؟ قُلْت : الْأَخْطَلُ التَّغْلِبِيُّ. قَالَ : هُوَ الْقَائِلُ :
اُعْزُبْ بِهِ، فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئَ بِسَاطِي.
فَمَنْ بِالْبَابِ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْت ؟ قُلْت : جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ الْخَطَفِيُّ قَالَ : أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِلَ :
فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَهَذَا، فَأْذَنْ لَهُ.
فَخَرَجْت إلَيْهِ، فَقُلْت : اُدْخُلْ أَبَا حَزْرَةَ، فَدَخَلَ وَهُوَ يَقُولُ :
فَلَمَّا مَثَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ لَهُ : اتَّقِ اللَّهَ يَا جَرِيرُ، وَلَا تَقُلْ إلَّا حَقًّا، فَأَنْشَأَ يَقُولُ :
مِمَّنْ يَعُدُّك تَكْفِي فَقْدَ وَالِدِهِ *** كَالْفَرْخِ ف
| تَظَلُّ تَحْفِرُ عَنْهُ إنْ ضَرَبْت بِهِ | بَعْدَ الذِّرَاعَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ وَالْهَادِي |
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ، وَكَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، وَحَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ نَزَلَ :﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ﴾ وَقَالُوا : هَلَكْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ :﴿إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا من بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ يَعْنِي ذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا فِي كَلَامِهِمْ، وَانْتَصَرُوا فِي رَدِّ الْمُشْرِكِينَ عَنْ هِجَائِهِمْ، كَقَوْلِ حَسَّانَ فِي أَبِي سُفْيَانَ :
| وَإِنَّ سَنَامَ الْمَجْدِ من آلِ هَاشِمٍ | بَنُو بِنْتِ مَخْزُومٍ وَوَالِدُك الْعَبْدُ |
| وَمَا وَلَدَتْ أَفْنَاءُ زُهْرَةَ مِنْكُمْ | كَرِيمًا وَلَا يَقْرُبْ عَجَائِزَك الْمَجْدُ |
| وَلَسْت كَعَبَّاسٍ وَلَا كَابْنِ أُمِّهِ | وَلَكِنْ هَجِينٌ لَيْسَ يُورَى لَهُ زَنْدٌ |
| وَإِنَّ امْرَأً كَانَتْ سُمَيَّةُ أُمَّهُ | وَسَمْرَاءُ مَغْلُوبٌ إذَا بَلَغَ الْجَهْدُ |
| وَأَنْتَ امْرُؤٌ قَدْ نِيطَ فِي آلِ هَاشِمٍ | كَمَا نِيطَ خَلْفَ الرَّاكِبِ الْقَدَحُ الْفَرْدُ |
| خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ | الْيَوْمَ نَضْرِبُكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ |
| ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ | وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ |
| نَحْنُ ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ | كَمَا ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ |
| أَلَا هَلْ أَتَى الْحَسْنَاءَ أَنَّ خَلِيلَهَا | بِمَيْسَانَ يُسْقَى فِي زُجَاجٍ وَحَنْتَمِ |
| إذَا شِئْت غَنَّتْنِي دَهَاقِينُ قَرْيَةٍ | وَرَقَّاصَةٌ تَجْذُو عَلَى كُلِّ مَنْسِمِ |
| فَإِنْ كُنْت نَدْمَانِي فَبِالْأَكْبَرِ اسْقِنِي | وَلَا تَسْقِنِي بِالْأَصْغَرِ الْمُتَثَلِّمِ |
| لَعَلَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَسُوءُهُ | تَنَادُمُنَا بِالْجَوْسَقِ الْمُتَهَدِّمِ |
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَمَّا عُذْرُك فَقَدْ دَرَأَ عَنْك الْحَدَّ، وَلَكِنْ لَا تَعْمَلْ لِي عَمَلًا أَبَدًا.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : وَقَدْ كَشَفَ الْخَلِيفَةُ الْعَدْلُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَقِيقَةَ أَحْوَالِ الشُّعَرَاءِ، وَكَشَفَ سَرَائِرَهُمْ، وَانْتَحَى مَعَايِبَهُمْ فِي أَشْعَارِهِمْ، فَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا اُسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَفَدَتْ إلَيْهِ الشُّعَرَاءُ، كَمَا كَانَتْ تَفِدُ إلَى الْخُلَفَاءِ قَبْلَهُ، فَأَقَامُوا بِبَابِهِ أَيَّامًا لَا يَأْذَنُ لَهُمْ بِالدُّخُولِ، حَتَّى قَدِمَ عُدَيُّ بْنُ أَرْطَاةَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَانَتْ لَهُ مَكَانَةٌ فَتَعَرَّضَ لَهُ جَرِيرٌ، فَقَالَ :
| يَأَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُزْجِي مَطِيَّتَهُ | هَذَا زَمَانُك، إنِّي قَدْ خَلَا زَمَنِي |
| أَبْلِغْ خَلِيفَتَنَا إنْ كُنْت لَاقِيَهُ | أَنِّي لَدَى الْبَابِ كَالْمَصْفُودِ فِي قَرَنِ |
| وَحْشُ الْمَكَانَةِ من أَهْلِي وَمِنْ وَلَدِي | نَائِي الْمَحَلَّةِ عَنْ دَارِي وَعَنْ وَطَنِي |
فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى عُمَرَ قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؛ إنَّ الشُّعَرَاءَ بِبَابِك، وَأَقْوَالُهُمْ بَاقِيَةٌ، وَسِهَامُهُمْ مَسْمُومَةٌ.
فَقَالَ عُمَرُ : مَا لِي وَلِلشُّعَرَاءِ ! قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مُدِحَ وَأَعْطَى، وَفِيهِ أُسْوَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. قَالَ : وَمَنْ مَدَحَهُ ؟ قَالَ : عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ، فَكَسَاهُ حُلَّةً قَطَعَ بِهَا لِسَانَهُ. قَالَ : نَعَمْ، فَأَنْشَدَهُ :
| رَأَيْتُك يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ كُلِّهَا | نَشَرْت كِتَابًا جَاءَ بِالْحَقِّ مُعْلِمَا |
| سَنَنْت لَنَا فِيهِ الْهُدَى بَعْدَ جَوْرِنَا | عَنْ الْحَقِّ لَمَّا أَصْبَحَ الْحَقُّ مُظْلِمَا |
| فَمَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي النَّبِيَّ مُحَمَّدًا | وَكُلُّ امْرِئٍ يُجْزَى بِمَا قَدْ تَكَلَّمَا |
| تَعَالَى عُلُوًّا فَوْقَ عَرْشِ إلَهِنَا | وَكَانَ مَكَانُ اللَّهِ أَعْلَى وَأَعْظَمَا |
| أَلَا لَيْتَ أَنِّي يَوْمَ بَانُوا بِمَيْتَتِي | شَمَمْت الَّذِي مَا بَيْنَ عَيْنَيْك وَالْفَمِ |
| وَلَيْتَ طَهُورِي كَانَ رِيقَك كُلَّهُ | وَلَيْتَ حَنُوطِي من مُشَاشِك وَالدَّمِ |
| وَيَا لَيْتَ سَلْمَى فِي الْقُبُورِ ضَجِيعَتِي | هُنَالِكَ أَوْ فِي جَنَّةٍ أَوْ جَهَنَّمِ |
| أَلَا لَيْتَنَا نَحْيَا جَمِيعًا وَإِنْ نَمُتْ | يُوَافِي لَدَى الْمَوْتَى ضَرِيحِي ضَرِيحُهَا |
| أَظَلُّ نَهَارِي لَا أَرَاهَا وَيَلْتَقِي | مَعَ اللَّيْلِ رُوحِي فِي الْمَنَامِ وَرُوحُهَا |
فَمَنْ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْت ؟ قَالَ : كُثَيِّرُ عَزَّةَ. قَالَ : هُوَ الَّذِي يَقُولُ :
| رُهْبَانُ مَدْيَنَ وَاَلَّذِينَ عَهِدْتهمْ | يَبْكُونَ من حَذَرِ الْعَذَابِ قُعُودَا |
| لَوْ يَسْمَعُونَ كَمَا سَمِعْت كَلَامَهَا | خَرُّوا لِعَزَّةِ رُكَّعًا وَسُجُودَا |
فَمَنْ بِالْبَابِ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْت ؟ قَالَ : الْأَحْوَصُ الْأَنْصَارِيُّ. قَالَ : أَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَسْحَقَهُ، أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِلَ وَقَدْ أَفْسَدَ عَلَى رَجُلٍ من أَهْلِ الْمَدِينَةِ جَارِيَةً لَهُ حَتَّى هَرَبَتْ مِنْهُ قَالَ :
| اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ سَيِّدِهَا | يَفِرُّ مِنِّي بِهَا وَأَتَّبِعُ |
فَمَنْ بِالْبَابِ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْت ؟ قَالَ : هَمَّامُ بْنُ غَالِبٍ الْفَرَزْدَقُ. قَالَ : أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِلَ يَفْخَرُ بِالزِّنَا :
| هُمَا دَلَّيَانِي من ثَمَانِينَ قَامَةً | كَمَا انْقَضَّ بَازٍ أَقْتَمُ الرِّيشِ كَاسِرُهْ |
| فَلَمَّا اسْتَوَتْ رِجْلَايَ فِي الْأَرْضِ قَالَتَا | أَحَيٌّ يُرَجَّى أَمْ قَتِيلٌ نُحَاذِرُهْ ؟ |
| فَقُلْت ارْفَعُوا الْأَمْرَاسَ لَا يَشْعُرُوا بِنَا | وَوَلَّيْت فِي أَعْقَابِ لَيْلٍ أُبَادِرُهْ |
فَمَنْ بِالْبَابِ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْت ؟ قُلْت : الْأَخْطَلُ التَّغْلِبِيُّ. قَالَ : هُوَ الْقَائِلُ :
| فَلَسْت بِصَائِمٍ رَمَضَانَ عُمْرِي | وَلَسْت بِآكِلٍ لَحْمَ الْأَضَاحِيّ |
| وَلَسْت بِزَاجِرٍ عِيسًا رَكُوبًا | إلَى بَطْحَاءِ مَكَّةَ لِلنَّجَاحِ |
| وَلَسْت بِقَائِمٍ كَالْعِيرِ يَدْعُو | قُبَيْلَ الصُّبْحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ |
| وَلَكِنِّي سَأَشْرَبُهَا شَمُولًا | وَأَسْجُدُ عِنْدَ مُنْبَلَجِ الصَّبَاحِ |
فَمَنْ بِالْبَابِ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْت ؟ قُلْت : جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ الْخَطَفِيُّ قَالَ : أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِلَ :
| لَوْلَا مُرَاقَبَةُ الْعُيُونِ أَرَيْتنَا | مُقَلَ الْمَهَا وَسَوَالِفَ الْآرَامِ |
| ذُمَّ الْمَنَازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى | وَالْعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الْأَيَّامِ |
| طَرَقَتْك صَائِدَةُ الْقُلُوبِ وَلَيْسَ ذَا | حِينَ الزِّيَارَةِ فَارْجِعِي بِسَلَامِ |
فَخَرَجْت إلَيْهِ، فَقُلْت : اُدْخُلْ أَبَا حَزْرَةَ، فَدَخَلَ وَهُوَ يَقُولُ :
| إنَّ الَّذِي بَعَثَ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا | جَعَلَ الْخِلَافَةَ لِلْإِمَامِ الْعَادِلِ |
| وَسِعَ الْبَرِيَّةَ عَدْلُهُ وَوَفَاؤُهُ | حَتَّى ارْعَوى وَأَقَامَ مَيْلَ الْمَائِلِ |
| إنِّي لَأَرْجُو مِنْك خَيْرًا عَاجِلًا | وَالنَّفْسُ مُولَعَةٌ بِحُبِّ الْعَاجِلِ |
| كَمْ بِالْيَمَامَةِ من شَعْثَاءَ أَرْمَلَةٍ | وَمِنْ يَتِيمٍ ضَعِيفِ الصَّوْتِ وَالنَّظَرِ |