روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَذَكَرُواْ الله كَثِيراً وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾ استثناء للشعراء المؤمنين الصالحين الذين يكثرون ذكر الله عز وجل ويكون أكثر أشعارهم في التوحيد والثناء على الله سبحانه وتعالى والحث على الطاعة والحكمة والموعظة والزهد في الدنيا والترهيب عن الركون إليها والاغترار بزخارفها والافتتان بملاذها الفانية والترغيب فيما عند الله تعالى ونشر محاسن رسوله ﷺ ومدحه وذكر معجزاته ليتغلغل حبه في سويداء قلوب السامعين وتزداد رغباتهم في اتباعه ونشر مدائح آله وأصحابه وصلحاء أمته لنحو ذلك ولو وقع منهم في بعض الأوقات هجو وقع بطريق الانتصار ممن هجاهم من غير اعتداء ولا زيادة كما يشير إليه قراءة بعضهم ﴿وانتصروا بِمِثْلِ مَا ظَلَمُواْ﴾، وقيل : المراد بالمستثنين شعراء المؤمنين الذين كانوا ينافحون عن رسول الله ﷺ ويكافحون هجاة المشركين، واستدل لذلك بما أخرج عبد بن حميد. وابن أبي حاتم عن قتادة إن هذه الآية نزلت في رهط من الأنصار هاجوا عن رسول الله ﷺ، منهم كعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة. وحسان بن ثابت. وعن السدي نحوه، وبما أخرج جماعة عن أبي حسن سالم البراد أنه قال : لما نزلت ﴿والشعراء﴾ [الشعراء: ٢٢٤] الآية جاء عبد الله بن رواحة. وحسان بن ثابت. وكعب بن مالك وهم يبكون فقالوا : يا رسول الله لقد أزل الله تعالى هذه الآية وهو يعلم أنا شعراء هلكنا فأنزل الله تعالى ﴿إِلاَّ الذين ءامَنُواْ﴾ الخ فدعاهم رسول الله ﷺ فتلاها عليهم.
وأنت تعلم أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وأخرج ابن مردويه : وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قرأ قوله تعالى :﴿إِلاَّ الذين ءامَنُواْ﴾ إلى آخر الصفات فقال : هم أبو بكر. وعمر وعلي. وعبد الله بن رواحة ولعله من باب الاقتصار على بعض ما يدل عليه اللفظ فقد جاء عنه في بعض الروايات ما يشعر بالعموم، هذا واستدل بالآية على ذم الشعر والمبالغة في المدح والهجو وغيرهما من فنونه وجوازه في الزهد والأدب ومكارم الأخلاق وجواز الهجو لمن ظلم انتصاراً كذا قيل، واعلم أن الشعر باب من الكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، وفي الحديث :«إن من الشعر لحكمة » وقد سمع رسول الله ﷺ الشعر وأجاز عليه وقال عليه الصلاة والسلام لحسان رضي الله تعالى عنه :-اهجهم يعني المشركين فإن روح القدس سيعينك وفي رواية :«اهجهم وجبريل معك » وأخرج ابن سعد عن ابن بريدة أن جبريل عليه السلام أعان حساناً على مدحته النبي ﷺ بسبعين بيتاً، وأخرج أحمد.
والبخاري في التاريخ. وأبو يعلى. وابن مردويه عن كعب بن مالك أنه قال للنبي ﷺ إن الله تعالى أنزل في الشعراء ما أنزل فكيف ترى فيه ؟ فقال : إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل، وأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين «قال رسول الله ﷺ ليلة وهم في سفر أين حسان بن ثابت فقال : لبيك يا رسول الله وسعديك قال : خذ فجعل ينشده ويصغي إليه حتى فرغ من نشيده فقال رسول الله ﷺ : لهذا أشد عليهم من وقع النبل، ويروى عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ بنى لحسان بن ثابت منبراً في المسجد ينشد عليه الشعر. وأخرج الديلمي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعاً الشعراء الذين يموتون في الإسلام يأمرهم الله تعالى أن يقولوا شعراً يتغنى به الحور العين لأزواجهن في الجنة والذين ماتوا في الشرك يدعون بالويل والثبور في النار، وقد أنشد كل من الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم أجمعين الشعر، وكذا كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فمن شعر أبي بكر رضي الله تعالى عنه :
أمن طيف سلمى بالبطائح الدمائثأرقت وأمر في العشيرة حادث
ترى من لؤى فرقة لا يصدهاعن الكفر تذكير ولا بعث باعث
رسول أتاهم صادق فتكذبواعليه وقالوا لست فينا بماكث
ولما دعوناهم إلى الحق أدبرواوهروا هرير المجحرات اللواهث
فكم قد مثلنا فيهم بقرابةوترك التقي شيء لهم غير كارث
فإن يرجعوا عن كفرهم وعقوقهمفما طيبات الحل مثل الخبائث
وإن يركبوا طغيانهم وضلالهمفليس عذاب الله عنهم بلابث
ونحن أناس من ذؤابة غالبلنا العز منها في الفروع الأثائث
فأولى برب الراقصات عشيةحراجيج تخدي في السريح الرثائث
كأدم ظباء حول مكة عكفيردن حياض البئر ذات النبائث
لئن لم يفيقوا عاجلاً من ضلالهمولست إذا ءاليت يوماً بحانث
لتبتدرنهم غارة ذات مصدقتحرم أطهار النساء الطوامث
تغادر قتلى يعصب الطير حولهمولا ترأف الكفار رأف ابن حارث
فابلغ بني سهم لديك رسالةوكل كفور يبتغي الشر باحث
فإن تشعثوا عرضي على سوء رأيكمفإني من أعراضكم غير شاعث
ومن شعر عمر رضي الله تعالى عنه وكان من أنقد أهل زمانه للشعر وأنفذهم فيه معرفة :
توعدني كعب ثلاثاً يعدهاولا شك أن القول ما قاله كعب
وما بي خوف الموت إني لميتولكن خوف الذنب يتبعه الذنب
وقوله يروى للأعور الثنى :
هون عليك فإن الأموربكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيهاولا قاصر عنك مأمورها
ومنه وقد لبس برداً جديداً فنظر الناس إليه، ويروى لورقة بن نوفل من أبيات :
لا شي مما ترى تبقى بشاشتهيبقى الإله ويفنى المال والولد
لم تغن عن هرمز يوماً خزائنهوالخلد حاوله عاد فما خلدوا
ولا سلميان إذ تجري الرياح لهوالإنس والجن فيما بينها ترد
حوض هنا لك مورود بلا كذبلا بد من ورده يوماً كما وردوا
ومن شعر عثمان رضي الله تعالى عنه :
غنى النفس يغني النفس حتى يكفهاوإن عضها حتى يضر بها الفقر
ومن شعر علي كرم الله تعالى وجهه وكان مجوداً حتى قيل : إنه أشعر الخلفاء رضي الله تعالى عنهم يذكر همدان ونصرهم إياه في صفين :
ولما رأيت الخيل تزحم بالقنانواصيها حمر النحور دوامي
وأعرض نقع في السماء كأنهعجاجة دجن ملبس بقتام
ونادى ابن هند في الكلاع وحميروكندة في لخم وحي جذام
تيممت همدان الذين هم همإذا ناب دهر جنتي وسهامي فجاوبني من خيل همدان عصبة
فوارس من همدان غير لئام فخاضوا لظاها واستطاروا شرارهاوكانوا لدى الهيجا كشرب مدام
فلو كنت بواباً على باب جنةلقلت لهمدان ادخلوا بسلام
وقد جمعوا ما نسب إليه رضي الله تعالى عنه من الشعر في ديوان كبير ولا يصحح منه إلا اليسير، ومن شعر ابنه الحسن رضي الله تعالى عنهما وقد خرج على أصحابه مختضباً :
نسود أعلاها وتأبى أصولهافليت الذي يسود منها هو الأصل
ومن شعر الحسين رضي الله تعالى عنه وقد عاتبه أخوه الحسن رضي الله تعالى عنه في امرأته :
لعمرك إنني لأحب داراتحل بها سكينة والرباب
أحبهما وأبذل جل ماليوليس للأئمي عند عتاب
ومن شعر فاطمة رضي الله تعالى عنها قالته يوم وفاة أبيها عليه الصلاة والسلام :
ماذا على من شم تربة أحمدأن لا يشم مدى الزمان غواليا
صبت على مصائب لو أنهاصبت على الأيام صرن لياليا
ومن شعر العباس رضي الله تعالى عنه يوم حنين يفتخر بثبوته مع رسول الله ﷺ :
ألا هل أتى عرسي مكري وموقفيبوادي حنين والأسنة تشرع
وقولي إذا ما النفس جاشت لها قرىوهام تدهدي والسواعد تقطع
وكيف رددت الخيل وهي مغيرةبزوراء تعطي باليدين وتمنع
نصرنا رسول الله في الحرب سبعةوقد فر من قد فر عنه فأقشعوا
ومن شعر ابنه عبد الله رضي الله تعالى عنهما :
إذا طارقات الهم ضاجعت الفتىوأعمل فكر الليل والليل عاجر
وباكرني في حاجة لم يجد لهاسواي ولا من نكبة الدهر ناصر
فرجت بمالي همه من مقامهوزايله هم طروق مسامر
وكان له فضل علي بظنهبي الخير أني للذي ظن شاكر
وهلم جرا إلى حيث شئت، وليس من بني عبد المطلب كما قيل رجالاً ولا نساء من لم يقل الشعر حاشا النبي ﷺ ليكون ذلك أبلغ في أمره عليه الصلاة والسلام، ولأجلة التابعين ومن بعدهم من أئمة الدين وفقهاء المسلمين شعر كثير أيضاً، ومن ذلك قول الشافعي رضي الله تعالى عنه :
ومتعب العيس مرتاح إلى بلدوالموت يطلبه في ذلك البلد
وضاحك والمنايا فوق هامتهلو كان يعلم غيباً مات من كمد
من كان لم يؤت علماً في بقاء غدفما يفكر في رزق لبعد غد
والاستقصاء في هذا الباب يحتاج إلى إفراده بكتاب وفيما ذكر كفاية، وقد مدحه أيضاً غير واحد من الأجلة فعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري مر من قبلك بتعلم الشعر فإنه يدل على معالي الأخلاق وصواب الرأي ومعرفة الأنساب، وعن علي كرم الله تعالى وجهه الشعر ميزان العقول.
وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول : إذا قرأتم شيئاً من كتاب الله تعالى فلم تعرفوه فاطلبوه في أشعار العرب فإن الشعر ديوان العرب، وما أخرجه أحمد. وابن أبي شيبة عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال : بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ إذ عرض شاعر ينشد فقال النبي ﷺ :" لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير من أن يمتلئ شعراً " حمله الشافعي عليه الرحمة على الشعر المشتمل على الفحش، وروى نحوه عن عائشة رضي الله تعالى عنها، فقد أخرج الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن عائشة أنه بلغها أن أبا هريرة يروى عن رسول الله ﷺ :«أيمتلئ جوف أحدكم » الحديث فقالت : رحم الله تعالى أبا هريرة إنما قال رسول الله ﷺ :" أن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً " من الشعر الذي هجيبت به يعني نفسه الشريفة عليه الصلاة والسلام ذكر ذلك المرشدي في فتاواه نقلاً عن كتاب بستان الزاهدين، ولا يخفى أنه يبعد الحمل المذكور التعبير بيمتلئ فإن الكثير والقليل مما فيه فحش أو هجو لسيد الخلق ﷺ سواء، وما أحسن قول الماوردي : الشعر في كلام العرب مستحب ومباح ومحظور فالمستحب ما حذر من الدنيا ورغب في الآخرة وحث على مكارم الأخلاق والمباح ما سلم من فحش أو كذب والمحظور نوعان كذب وفحش وهما جرح في قائله وأما منشده فإن حكاه اضطراراً لم يكن جرحاً أو اختياراً جرح، وتبعه على ذلك الروياني وجعل الروياني ما فيه الهجو لمسلم سواء كان بصدق أو كذب من المحظور أيضاً، ووافقه جماعة إلا أن إثم الصادق أخف من إثم الكاذب كما قال القمولي.
وإثم الحاكي على ما قال الرافعي دون إثم المنشد، وقال الأذرعي : ليس هذا على إطلاقه بل إذا استوى الحاكي والمنشد أما إذا أنشده ولم يذعه فأذاعه الحاكي فاثمه أشد بلا شك، واحترز بقيد المسلم عما فيه الهجو لكافر فإن فيه تفصيلاً.
وفصل بعضهم ما فيه الهحجو لمسلم أيضاً وذلك أن كثيراً من العلماء أطلقوا جواز هجو الكافر استلالاً بأمر ﷺ حساناً ونحوه بهجو المشركين، وقال بعضهم : محل ذلك الكفار على العموم وكذا المعين الحربي ميتاً كان أو حياً حيث لم يكن له قريب معصوم يتأذى به، وأما الذمي أو المعاهد أو الحربي الذي له قريب ذمي أو مسلم يتأذى به فلا يجوز هجوه كما قاله الأذرعي. وابن العماد. وغيرهم

تفسير هذه الآية من كتب أخرى