لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن

عن الكتاب
استثنى شعراء المسلمين الذي كانوا يجتنبون شعر الكفار، ويهجون وينافحون عن محمد ﷺ وأصحابه منهم حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك فقال تعالى ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ روي أن كعب بن مالك قال للنبيّ ﷺ إن الله أنزل في الشعر ما أنزل فقال رسول الله ﷺ « إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل » عن أنس بن مالك رضي الله عنه « أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء وابن رواحة يمشي بين يديه وهو يقول :
خلو بني الكفار عن سبيلهاليوم نضربكم على تنزيله
ضرباً يزيل الهام عن مقيلهويذهل الخليل عن خليله
فقال عمر يا ابن رواحة بين يدي رسول الله ﷺ وفي حرم الله تقول الشعر ؟ فقال رسول الله ﷺ «خل عنه يا عمر فلهي أسرع فيهم من نضح النبل » أخرجه الترمذي والنسائي. وقال الترمذي : وقد روي في غير هذا الحديث أن النبيّ ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء وكعب بن مالك بين يديه، وهذا أصح عند بعض أهل الحديث لأن عبد الله بن رواحة قتل يوم مؤتة، وكانت عمرة القضاء بعد ذلك قلت الصحيح، هو الأول لأن عمرة القضاء كانت سنة سبع ويوم مؤتة سنة ثمان والله أعلم ( ق ) عن البراء أن رسول الله ﷺ قال يوم قريظة لحسان :« أهج المشركين فإن جبريل معك » ( خ ) عن عائشة قالت « كان رسول الله ﷺ يضع لحسان منبراً في المسجد يقوم عليه قائماً يفاخر عن رسول الله ﷺ وينافح ويقول رسول الله ﷺ : إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح أو فاخر عن رسول الله » ( م ) عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال « اهجوا قريشاً فإنه أشد عليها من رشق النبل فأرسل إلى ابن رواحة فقال : أهجهم فهجاهم فلم يرض فأرسل إلى كعب بن مالك ثم أرسل إلى حسان بن ثابت فلما دخل عليه حسان : قال : قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه ثم أدلع لسانه فجعل يحركه فقال : والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم فقال النبيّ ﷺ لا تعجل فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسباً حتى يلخص لك نسبي فأتاه حسان ثم رجع فقال : يا رسول الله قد خلص لي نسبك والذي بعثك بالحق نبياً لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين » قالت عائشة : فسمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان :« إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله » قالت وسمعت رسول الله ﷺ يقول « هجاهم حسان فشفى واشتفى » فقال حسان :
هجوت محمداً فأجبت عنهوعند الله في ذاك الجزاء
هجوت محمداً براً تقيا ًرسول الله شيمته الوفاء
فإن أبي ووالدتي وعرضيلعرض محمد منكم وقاء
ثكلت بنيتي إن لمم تروهاتثير النقع موعدها كداء
يبارين الأعنة مصعداتعلى أكنافها الأسل الظماء
تظل جيادها متمطراتتلطمهن بالخمر النساء
فإن أعرضتم عنا اعتمرناوكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لضراب يوميعز الله فيه من يشاء
وقال الله قد أرسلت عبداًيقول الحق ليس به خفاء
وقال الله قد سيرت جنداًهم الأنصار عرضتها اللقاء
لنا في كل يوم من معدسباب أو قتال أو هجاء
فمن يهجو رسول الله منكمويمدحه وينصره سواء
وجبريل رسول الله فيناوروح القدس ليس له كفاء

فصل في مدح الشعر :


( خ ) عن أبي بن كعب أن رسول الله ﷺ قال :« إن من الشعر لحكمة » عن ابن عباس رضي الله عنهما قال جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فجعل يتكلم بكلام فقال « إن من البيان سحراً وإن من الشعر حكماً » أخرجه أبو داود عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال :« ردفت وراء النبي ﷺ يوماً فقال هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء، قلت نعم قال : هيه : فأنشدته بيتاً فقال : هيه ثم أنشدته بيتاً قال : هيه حتى أنشدته مائة بيت » زاد في رواية « لقد كاد يسلم في شعره » عن جابر بن سمره قال :« جالست النبيّ ﷺ أكثر من مائة مرة فكان أصحابه يتناشدون الشعر ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية، وهو ساكت وربما تبسم معهم » أخرجه الترمذي. وقال حديث حسن صحيح. وقالت عائشة : الشعر كلام فمنه حسن ومنه قبيح فخذ منه الحسن ودع منه القبيح. وقال الشعبي : كان أبو بكر يقول الشعر وكان عمر يقول الشعر وكان علي أشعر منهما وروي عن ابن عباس أنه كان ينشد الشعر ويستنشده في المسجد، فيروى أنه دعا عمر بن ربيعة المخزومي، فاستنشده القصيدة التي قالها فقال :
أمن آل نعمٍ أنت غاد فمبكرغداة غد أم رائح فمهجر
فأنشده القصيدة إلى آخرها، وهي قريب من تسعين بيتاً ثم إن ابن عباس أعاد القصيدة جميعها، وكان حفظها بمرة واحدة.
قوله تعالى ﴿وذكروا الله كثيراً﴾ أي لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله ﴿وانتصروا من بعد ما ظلموا﴾ أي انتصروا من المشركين لأنهم بدؤوا بالهجاء، ثم أوعد شعراء المشركين فقال تعالى ﴿وسيعلم الذين ظلموا﴾ أي أشركوا وهجوا رسول لله ﷺ وهو الطاهر المطهر من الهجاء ﴿أي منقلب ينقلبون﴾ أي أيَّ مرجع يرجعون إليه بعد الموت قال ابن عباس : إلى جهنم وبئس المصير والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى