الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿فَاطِرُ﴾ : العامَّةُ على رفعِه خبراً ل " ذلكم " أو نعتاً ل " ربِّي " على تَمَحُّضِ إضافتِه. و " عليه توكَّلْتُ " معترضٌ على هذا، أو مبتدأ، وخبرُه " جَعَلَ لكم " أو خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي : هو. وزيد بن علي :" فاطرِ " بالجرِّ نعتاً للجلالةِ في قوله :" إلى اللَّهِ "، وما بينهما اعتراضٌ أو بدلاً مِن الهاء في " عليه " أو " إليه ".
وقال مكيٌّ :" وأجاز الكسائيُّ النصبَ على النداء ". وقال غيرُه : على المدح. ويجوزُ في الكلامِ الخفضُ على البدلِ من الهاءِ في " عليه ". قلت : قد قرأ بالخفضِ زيدُ بن علي. وأمَّا نصبُه فلم أحفَظْه قراءةً.
قوله :" يَذْرَؤُكُمْ فيه " يجوزُ أَنْ تكونَ " في " على بابِها. والمعنى : يُكَثِّرُكُمْ في هذا التدبير، وهو أنْ جَعَلَ للناسِ والأنعام أزواجاً حتى كان بين ذُكورِهم وإناثِهم التوالُدُ. والضميرُ في " يَذرَؤُكم " للمخاطبين والأنعامِ. وغَلَّب العُقلاءَ على غيرِهم الغُيَّبِ. قال الزمخشري :" وهي/ من الأحكامِ ذاتِ العلَّتَيْن ". قال الشيخ :" وهو اصطلاحٌ غريبٌ، ويعني : أنَّ الخطابَ يُغَلَّبُ على الغَيْبة إذا اجتمعا ". ثم قال الزمخشريُّ :" فإنْ قلت : ما معنى يَذْرَؤُكم في هذا التدبيرِ ؟ وهلا قيل يَذْرَؤُكم به. قلت : جُعِل هذا التدبيرُ كالمَنْبَع والمَعدِنِ للبَثِّ والتكثيرِ. ألا تَراك تقول : للحَيَوان في خلق الأزواج تكثير، كما قال تعالى :﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]. والثاني : أنها للسببية كالباء أي : يُكَثِّرُكم بسبِبه. والضميرُ يعودُ للجَعْلِ أو للمخلوقِ ".
قوله :﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في هذه الآيةِ أوجهٌ، أحدُها - وهو المشهورُ عند المُعْرِبين - أنَّ الكافَ زائدةٌ في خبرِ ليس، و " شيءٌ " اسمُها. والتقدير : ليس شيءٌ مثلَه. قالوا : ولولا ادِّعاءُ زيادتِها لَلَزِمَ أَنْ يكونَ له مِثْلٌ. وهو مُحالٌ ؛ إذ يَصيرُ التقديرُ على أصالةِ الكاف : ليس مثلَ مثلِه شيءٌ، فنفى المماثلةَ عن مثلِه، فثبَتَ أنَّ له مثْلاً، لا مثلَ لذلك المَثَلِ، وهذا مُحالٌ تَعالى اللَّه عن ذلك.
وقال أبو البقاء :" ولو لم تكنْ زائدةً لأَفْضَى ذلك إلى المُحال ؛ إذ كان يكونُ المعنى : أنَّ له مِثْلاً وليس لمثلِه مِثْلٌ. وفي ذلك تناقضٌ ؛ لأنَّه إذا كان له مِثْلٌ فلِمِثْله مِثْلٌ وهو هو، مع أنَّ إثباتَ المِثْلِ لله تعالى مُحالٌ ". قلت : وهذه طريقةٌ غريبةٌ في تقريرِ الزيادةِ، وهي طريقةٌ حسنةٌ فيها حُسْنُ صناعةٍ.
والثاني : أنَّ مِثْلاً هي الزائدةُ كزيادتِها في قوله تعالى :
﴿بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧]. قال الطبري :" كما زِيْدَتِ الكافُ في قوله :
٣٩٦٦ وصَالياتٍ كَكَما يُؤَثْفَيْنْ ***
وقولِ الآخر :
٣٩٦٧ - فصُيِّروا مثلَ كعَصْفٍ مَأْكُوْلْ ***
وهذا ليس بجيدٍ ؛ لأنَّ زيادةَ الأسماءِ ليسَتْ بجائزةٍ. وأيضاً يصيرُ التقديرُ ليس ك هو شيءٌ، ودخولُ الكافِ على الضمائرِ لا يجوزُ إلاَّ في شعرٍ.
الثالث : أنَّ العربَ تقولُ " مثلُكَ لا يَفْعَلُ كذا " يعْنُون المخاطبَ نفسَه ؛ لأنَّهم يُريدون المبالغةَ في نَفْيِ الوصفِ عن المخاطب، فينفونَها في اللفظِ عن مثلِه، فَيَثْبُتُ انتفاؤُها عنه بدليلِها. ومنه قول الشاعر :
٣٩٦٨ على مِثْلِ ليلى يَقْتُل المرءُ نفسَهوإنْ باتَ مِنْ ليلى على اليأس طاويا
وقال أوس بن حجر :
٣٩٦٩ ليس كمثلِ الفتى زُهَيْرٍخَلْقٌ يُوازِيه في الفضائلِ
وقال آخر :
٣٩٧٠ سَعْدُ بنُ زيدٍ إذا أبصرْتَ فضلَهُمُفما كمِثْلِهِمْ في الناسِ مِنْ أَحَدِ
قال ابن قتيبة :" العرب تُقيم المِثْلَ مُقامَ النفسِ فتقول : مثلي لا يُقال له هذا، أي : أنا لا يُقال لي ". قيل : و[ نظيرُ ] نسبةُ المِثْل إلى مَنْ لا مِثْل له قولُك : فلانٌ يدُه مبسوطةٌ تريد أنه جَوادٌ، ولا نَظَرَ في الحقيقة إلى اليد، حتى تقولُ ذلك لمَنْ لا يَدَ له كقولِه تعالى :﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾
[المائدة: ٦٤].
الرابع : أَنْ يُرادَ بالمِثْلِ الصفةُ، وذلك أنَّ المِثْلَ بمعنى المَثَلَ والمَثَلُ الصفةُ، كقولِه تعالى :﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥] فيكونُ المعنى : ليس مِثْلُ صفتِه تعالى شيءٌ من الصفات التي لغيرِه، وهو مَحْمَلٌ سهلٌ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى