تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله :﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ أي : يقولون :﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سبأ: ٢٩]، وإنما يقولون(١) ذلك تكذيبا واستبعادا، وكفرا وعنادا، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ أي : خائفون وجلون من وقوعها ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ أي : كائنة لا محالة، فهم مستعدون لها عاملون من أجلها.
وقد رُوي من طرق تبلغ درجة التواتر، في الصحاح والحسان، والسنن والمسانيد، وفي بعض ألفاظه ؛ أن رجلا سأل رسول الله ﷺ بصوت جَهْوَرِيّ، وهو في بعض أسفاره فناداه فقال : يا محمد. فقال له النبي ﷺ نحوا من صوته " هاؤم ". فقال : متى الساعة ؟ فقال له رسول الله ﷺ :" ويحك، إنها كائنة، فما أعددت لها ؟ " فقال : حُب الله ورسوله. فقال :" أنت مع من أحببت(٢).
فقوله في الحديث :" المرء مع من أحب "، هذا متواتر لا محالة، والغرض أنه لم يجبه عن وقت الساعة، بل أمره بالاستعداد لها.
وقوله :﴿أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ﴾ أي : يحاجّون في وجودها ويدفعون وقوعها، ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أي : في جهل بين ؛ لأن الذي خلق السموات والأرض قادر على إحياء الموتى بطريق الأولى والأحرى، كما قال :﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧].
١ - (١) في ت: "يقول"..
٢ - (٢) رواه البخاري في صحيحه برقم (٦١٦٧) ومسلم في صحيحه برقم (٢٦٣٩) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى