تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى ممتنا على عباده بقبول توبتهم إليه إذا تابوا ورجعوا إليه : أنه من كرمه وحلمه أنه يعفو ويصفح ويستر ويغفر، كقوله :﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] وقد ثبت في صحيح مسلم، رحمه الله، حيث قال :
حدثنا محمد بن الصباح وزهير بن حرب قال(١) حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك - وهو عمه (٢) - قال : قال رسول الله ﷺ :" لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه، من أحدكم كان راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي وأنا ربك - أخطأ من شدة الفرح " (٣).
وقد ثبت أيضا في الصحيح من رواية عبد الله بن مسعود نحوه(٤) (٥).
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري في قوله :﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ : إن أبا هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :" لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته(٦) في المكان الذي يخاف أن يقتله العطش فيه " (٧).
وقال همام بن الحارث : سئل ابن مسعود عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها ؟ قال : لا بأس به، وقرأ :﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ الآية رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث شريك القاضي، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم النخعي، عن همام فذكره (٨).
وقوله :﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ أي : يقبل التوبة في المستقبل ويعفو عن السيئات في الماضي، ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ أي : هو عالم بجميع ما فعلتم وصنعتم وقلتم، ومع هذا يتوب على من تاب إليه.
١ - (١) في أ: "قالا"..
٢ - (٢) في ت: "عمه رضي الله عنه"..
٣ - (٣) صحيح مسلم برقم (٢٧٤٧)..
٤ - (٤) في ت: "مثله"..
٥ - (٥) صحيح مسلم برقم (٢٧٤٤)..
٦ - (٦) في ت: "راحلته"..
٧ - (٧) تفسير عبد الرزاق (٢/١٥٦) وقد روى متصلا، فرواه مسلم في صحيحه برقم (٢٦٧٥) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام ابن منبه عن أبي هريرة به..
٨ - (٨) تفسير الطبري (٢٥/١٨)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى