البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة
عن الكتاب
﴿إِن يشاء يسكن الرياح﴾ التي تجريها. وقرئ بالإفراد. ﴿فيَظْلَلن رواكدَ على ظهره﴾ ؛ فيبقين ثوابت على ظهر البحر، أي : غير جاريات لا غير متحركات أصلاً، ﴿إِن في ذلك لآيات﴾ عظيمة في أنفسها، كثيرة في العدد، دلالة على باهر قدرته ﴿لكل صَبَّارٍ شكورٍ﴾ ؛ لكل مَن حبس نفسه عن الهوى، وصرف همته إلى النظر في آلائه، أو : لكل صبّار على بلائه، شكور لنعمائه، أي : لكل مؤمن كامل ؛ فإن الإيمان نصفان : نصف شكر، ونصف صبر ؛ لأن الإنسان لا يخلو من ضر يمسه، أو نفع يناله، فآداب الضر : الصبر، وآداب النفع : الشكر، وأيضاً : راكب السفن ملزوم، إما للمشقة أو السلامة، فالصبر والشكر لا زمان له. ولم يعطف إحدى الصفتين على الأخرى ؛ لأنهما لموصوف واحد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : ومن آياته الأفكار الجارية في بحر التوحيد، كالأعلام، أي : أصحابها كالجبال الرواسي، لا يهزهم شيء من الواردات ولا غيرها، إن يشأ يُسكن رياح الواردات عن أسرارهم، فيبقين رواكد على ظهر بحر الأحدية، مستغرقين في شهود الذات العلية، أو يُوبقهن بما كسبوا من سوء الأدب، فيغرقن في الزندقة أو الحلول والاتحاد، ويعفُ عن كثير، ويعلم الذين يطعنون في آياتنا الدالة علينا ما لهم من مهرب.