فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الريح﴾ قرأ الجمهور بهمز ﴿يشأ﴾، وقرأ ورش عن نافع بلا همز. وقرأ الجمهور ﴿الريح﴾ بالإفراد، وقرأ نافع :" الرياح " على الجمع، أي يسكن الريح التي تجري بها السفن ﴿فَيَظْلَلْنَ﴾ أي السفن ﴿رَوَاكِدَ﴾ أي سواكن ثوابت ﴿على ظَهْرِهِ﴾ البحر، يقال : ركد الماء ركوداً : سكن، وكذلك ركدت الريح، وركدت السفينة، وكل ثابت في مكان، فهو راكد. قرأ الجمهور ﴿فيظللن﴾ بفتح اللام الأولى، وقرأ قتادة بكسرها، وهي لغة قليلة. ﴿إِنَّ في ذَلِكَ﴾ الذي ذكر من أمر السفن ﴿لآيات﴾ دلالات عظيمة ﴿لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ أي لكل من كان كثير الصبر على البلوى كثير الشكر على النعماء. قال قطرب : الصبار الشكور الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر. قال عون بن عبد الله :
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج أحمد، وابن راهويه، وابن منيع، وعبد بن حميد، والحكيم الترمذي، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم عن عليّ بن أبي طالب قال : ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدّثنا بها رسول الله ﷺ :﴿وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾، وسأفسرها لك يا عليّ :«ما أصابكم من مرض، أو عقوبة، أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، والله أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنه في الدنيا، فالله أكرم من أن يعود بعد عفوه» وأخرج عبد بن حميد، والترمذي عن أبي موسى، أن رسول الله ﷺ قال :«لا يصيب عبداً نكبة، فما فوقها أو دونها إلاّ بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر» وقرأ :﴿وَمَا أصابكم﴾ الآية. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في الكفارات، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن عمران بن حصين : أنه دخل عليه بعض أصحابه، وكان قد ابتلي في جسده، فقال : إنا لنبتئس لك لما نرى فيك، قال : فلا تبتئس لما ترى، فإن ما ترى بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، ثم تلا هذه الآية :﴿وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ﴾ إلى آخرها. وأخرج أحمد عن معاوية بن أبي سفيان : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«ما من شيء يصيب المؤمن في جسده يؤذيه إلاّ كفر الله عنه به من سيئاته» وأخرج ابن مردويه عن البراء قال : قال رسول الله ﷺ :«ما عثرة قدم، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلاّ بما قدمت أيديكم، وما يعفو الله أكثر» وأخرج ابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله :﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ على ظَهْرِهِ﴾ قال : يتحرّكن ولا يجرين في البحر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله : رواكد قال : وقوفاً ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ قال : يهلكهن. وأخرج النسائي، وابن ماجه، وابن مردويه عن عائشة، قالت : دخلت عليّ زينب، وعندي رسول الله ﷺ، فأقبلت عليّ، فسبتني، فردعها النبي ﷺ، فلم تنته، فقال لي :«سبيها، فسببتها حتى جفّ ريقها في فمها، ووجه رسول الله ﷺ يتهلل سروراً» وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :«المستبان ما قالا من شيء، فعلى البادئ حتى يعتدي المظلوم»، ثم قرأ :﴿وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا﴾. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ :«إذا كان يوم القيامة أمر الله منادياً ينادي : ألا ليقم من كان له على الله أجر، فلا يقوم إلاّ من عفا في الدنيا» وذلك قوله :﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله﴾. وأخرج البيهقي عن أنس، عن النبي ﷺ قال :«ينادي منادٍ من كان له أجر على الله، فليدخل الجنة مرتين، فيقوم من عفا عن أخيه» قال الله :﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله﴾.
| فكم من منعم عليه غير شاكر | وكم من مبتلي وهو غير صابر |