المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
وقوله :﴿هو الذي خلقكم﴾ تعديد نعمة، والمعنى ﴿فمنكم كافر﴾ لنعمته في الإيجاد حين لم يوجد كافر لجهله بالله تعالى، ﴿ومنكم مؤمن﴾ بالله، والإيمان به شكر لنعمته، فالإشارة في هذا التأويل في الإيمان والكفر هي إلى اكتساب العبد، هذا قول جماعة من المتأولين، وحجتهم قول النبي ﷺ :«كل مولود يولد على الفطرة »(١)، وقوله تعالى :﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾(٢) [الروم: ٣٠]، وكأن العبارة في قوله تعالى :﴿فمنكم﴾ تعطي هذا، وكذلك يقويه قوله :﴿والله بما تعملون بصير﴾. وقيل : المعنى «خلقكم منكم مؤمن ومنكم كافر » في أصل الخلق فهي جملة في موضع الحال، فالإشارة على هذا في الإيمان والكفر هي إلى اختراع الله تعالى وخلقه، وهذا تأويل ابن مسعود وأبي ذر، ويجري مع هذا المعنى قول النبي ﷺ :«إن أحدكم يكون في بطن أمه نطفة أربعين يوماً، ثم علقة أربعين يوماً، ثم مضغة أربعين يوماً، ثم يجيء الملك فيقول يا رب : أذَكَر أم أنثى ؟ أشقي أم سعيد ؟ فما الرزق فما الأجل ؟ فيكتب ذلك في بطن أمه »(٣)، فقوله في الحديث :«أشقي أم سعيد » هو في هذه الآية :﴿فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾ ويجري مع هذا المعنى قوله في الغلام الذي قتله الخضر :( إنه طبع يوم طبع كافراً )(٤)، وما روى ابن مسعود أنه عليه السلام قال :«خلق الله فرعون في البطن كافراً وخلق يحيى بن زكرياء مؤمناً »(٥) وقال عطاء بن أبي رباح : فمعنى الآية :﴿فمنكم كافر﴾ بالله ﴿مؤمن﴾ بالكوكب، ومؤمن بالله كافر بالكوكب، وقدم الكافر لأنه أعرف من جهة الكثرة، وقوله تعالى :﴿بالحق﴾ أي حين خلقها محقوقاً في نفسه ليست عبثاً ولا لغير معنى.
١ رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تُنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟) ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: اقرءوا إن شئتم﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله...﴾الآية. ورواه الإمام أحمد في مسنده بلفظ:(ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة)، وفي رواية لمسلم(كل إنسان تلده أمه على الفطرة)..
٢ من الآية (٣٠) من سورة (الروم)..
٣ أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن أبي ذر رضي الله عنه، ولفظه كما في ابن جرير والدر المنثور:(إذا مكث المني في الرحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس فعرج به إلى الرب، فيقول: يا رب، أذكر أم أنثى؟ فيقضي الله ما هو قاض، فيقول: أشقي أم سعيد؟ ما هو لاق"، وقرأ أبو ذر من فاتحة التغابن خمس آيات إلى قوله:﴿وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير﴾..
٤ أخرجه مسلم في القدر وفي الفضائل، وأبو داود في السنة، والترمذي في تفسير سورة الكهف، وأحمد في مسنده(٥-١١٩، ١٢١)، ولفظه كما في صحيح مسلم، عن أُبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا)..
٥ ذكره القرطبي في تفسيره عن ابن مسعود رضي الله عنه، ولفظه: قال النبي صلى الله عليه وسلم:(خلق الله فرعون في بطن أمه كافرا، وخلق يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا)..
٢ من الآية (٣٠) من سورة (الروم)..
٣ أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن أبي ذر رضي الله عنه، ولفظه كما في ابن جرير والدر المنثور:(إذا مكث المني في الرحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس فعرج به إلى الرب، فيقول: يا رب، أذكر أم أنثى؟ فيقضي الله ما هو قاض، فيقول: أشقي أم سعيد؟ ما هو لاق"، وقرأ أبو ذر من فاتحة التغابن خمس آيات إلى قوله:﴿وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير﴾..
٤ أخرجه مسلم في القدر وفي الفضائل، وأبو داود في السنة، والترمذي في تفسير سورة الكهف، وأحمد في مسنده(٥-١١٩، ١٢١)، ولفظه كما في صحيح مسلم، عن أُبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا)..
٥ ذكره القرطبي في تفسيره عن ابن مسعود رضي الله عنه، ولفظه: قال النبي صلى الله عليه وسلم:(خلق الله فرعون في بطن أمه كافرا، وخلق يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا)..