السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني

عن الكتاب
﴿ذلك﴾ أي : الأمر العظيم من الوبال الدال قطعاً على أن الكفر أبطل الباطل وأنه مما يغضب الخالق ﴿بأنه﴾ أي : بسبب أن الشان العظيم البالغ في الفظاعة ﴿كانت تأتيهم﴾ على عادة مستمرة ﴿رسلهم﴾ أي : رسل الله الذين أرسلهم إليهم ﴿بالبينات﴾ أي : الحجج الظاهرات على الإيمان ﴿فقالوا﴾ أي : الكل لرسلهم منكرين غاية الإنكار تكبراً، وقولهم :﴿أبشر يهدوننا﴾ يجوز أن يرتفع بشر على الفاعلية ويكون من الاشتغال، وهو الأرجح لأن الأداة تطلب الفعل، ويجوز أن يكون مبتدأ وخبر، وجمع الضمير في يهدوننا ؛ إذ البشر اسم جنس، وقد يأتي الواحد بمعنى الجمع فيكون اسماً للجنس، وقد يأتي الجمع بمعنى الواحد كقوله تعالى :﴿ما هذا بشراً﴾ [يوسف: ٣١] فأنكروا على الملك الأعظم إرساله لهم ﴿فكفروا﴾ أي : بهذا القول ؛ إذ قالوه استصغاراً ولم يعلموا أن الله يبعث من يشاء إلى عباده ﴿وتولوا﴾ عن الإيمان.
فإن قيل : قوله تعالى :﴿فكفروا﴾ تعميم يفهم منه التولي فما الحاجة إلى ذكره ؟ أجيب : بأنهم كفروا وقالوا :﴿أبشر يهدوننا﴾ وهذا في معنى الإنكار والإعراض بالكلية، وهذا هو التولي فكأنهم كفروا وقالوا قولاً يدل على التولي، فلهذا قال :﴿فكفروا وتولوا﴾، وقيل : كفروا بالرسل وتولوا بالبرهان، وأعرضوا عن الإيمان والموعظة.
ونبه بقوله تعالى :﴿واستغنى الله﴾ أي : الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه على أن هذا إنما هو لمصالح الخلق فهو غني عن كل شيء.
فإن قيل : قوله تعالى :﴿وتولوا واستغنى الله﴾ يوهم وجود التولي والاستغناء معاً، والله تعالى لم يزل غنياً ؟ أجيب : بأن معناه وظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان، ولم يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك ﴿والله﴾ أي : المستجمع الصفات الكمال ﴿غني﴾ عن خلقه ﴿حميد﴾ أي : محمود في أفعاله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى