معالم التنزيل — البغوي

عن الكتاب
﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم﴾ وسبب نزولها ما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبيد الله بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت :" كان رسول الله ﷺ يحب الحلواء ويحب العسل، وكان إذا صلى العصر دخل على نسائه فيدنو منهن، فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فسألت عن ذلك، فقيل لي : أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل فسقت رسول الله ﷺ منها شربة، فقلت : أما والله لنحتالن له، فذكرت ذلك لسودة، وقلت : إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك فقولي له : يا رسول الله أكلت مغافير ؟ فإنه سيقول : لا، فقولي له : ما هذه الريح وكان رسول الله ﷺ يشتد عليه أن يوجد منه الريح، فإنه سيقول : سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له : يا رسول الله جرست نحله العرفط، وسأقول ذلك وقوليه أنت يا صفية، فلما دخل على سودة، تقول سودة : والله الذي لا إله إلا هو لقد كدت أن أبادئه بالذي قلت لي وإنه لعلى الباب، فرقاً منك، فلما دنا رسول الله ﷺ قلت : يا رسول الله أكلت مغافير ؟ قال : لا، قلت : فما بال هذه الريح ! قال : سقتني حفصة شربة عسل، قالت : جرست نحلة العرفط، فلما دخل علي قلت له مثل ذلك، ودخل على صفية فقالت له مثل ذلك، فلما دخل على حفصة قالت له : يا رسول الله ألا أسقيك منه قال : لا حاجة لي به، قالت : تقول سودة : سبحان الله لقد حرمناه، قالت : قلت لها اسكتي ".
وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحسن بن محمد الصباح، حدثنا الحجاج عن ابن جريج قال : زعم عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول " سمعت عائشة رضي الله عنها تقول : أن رسول الله ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلاً فتواطيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها الرسول الله ﷺ فلتقل إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير، فدخل على إحداهما فقالت له ذلك، فقال : لا بأس شربت عسلاً عند زينب بنت جحش ولن أعود له، فنزلت :﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك﴾ إلى قوله :﴿إن تتوبا إلى الله﴾ لعائشة وحفصة، ﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً﴾ لقوله : بل شربت عسلاً ". وبهذا الإسناد قال : حدثنا محمد بن إسماعيل، أنبأنا إبراهيم بن موسى، أنبأنا هشام بن يوسف، عن ابن جريح، عن عطاء بإسناده وقال : قال : لا، ولكن كنت أشرب عسلاً عند زينب بنت جحش فلن أعود له، وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحداً، يبتغي بذلك مرضاة أزواجه. وقال المفسرون : وكان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه، فلما كان يوم حفصة استأذنت رسول الله ﷺ في زيارة أبيها فأذن لها، فلما خرجت أرسل النبي ﷺ إلى جاريته مارية القبطية فأدخلها بيت حفصة، فوقع عليها فلما رجعت حفصة وجدت البابا مغلقاً، فجلست عند الباب فخرج رسول الله ﷺ ووجهه يقطر عرقاً، وحفصة تبكي فقال : ما يبكيك ؟ فقالت : إنما أذنت لي من أجل هذا، أدخلت أمتك بيتي، ثم وقعت عليها في يومي وعلى فراشي، أما رأيت لي حرمة وحقاً ؟ ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن. فقال رسول الله ﷺ : أليست هي جاريتي أحلها الله لي ؟ اسكتي فهي حرام علي ألتمس بذاك رضاك، فلا تخبري بهذا امرأة منهن. فلما خرج رسول الله ﷺ قرعت حفصة الجدار التي بينها وبين عائشة فقالت : ألا أبشرك أن رسول الله ﷺ قد حرم عليه أمته مارية، وقد أراحنا الله منها، وأخبرت عائشة بما رأت، وكانتا متصافيتين متظاهرتين على سائر أزواج النبي ﷺ، فغضبت عائشة فلم تزل بنبي الله ﷺ حتى حلف أن لا يقربها، فأنزل الله عز وجل :﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾ يعني العسل ومارية ﴿تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى